الطاقة الشمسية والاستدامة الاقتصادية

|

يتسابق العالم اليوم من أجل الوصول إلى اقتصاد مستدام قادر على التواؤم مع المتغيرات المناخية ويحقق العلاقة بين الإنسان وبيئته، وما زالت الطاقة أهم مشكلة في مسار تحقيق الاقتصاد المستدام، ذلك أن الطاقة اليوم بأشكالها الأحفورية الكربونية تزاحم حياة الإنسان على هذه الأرض، حيث تتسبب انبعاثاتها الكربونية في زيادة الاحتباس الحراري. لذا، تبرز الطاقة الشمسية أحد الطموحات الكبرى للبشرية في هذا العصر، وبلغت الاستثمارات خلال هذا العقد 2010 - 2019 ما يزيد على ثلاثة أمثال الاستثمارات في أعوام العقد الماضي، ومن المتوقع أن يصل مجموع الاستثمارات العالمية في هذا المجال إلى 2.6 تريليون دولار، وستجذب الطاقة الشمسية ما يصل إلى 1.349 تريليون دولار، أي نصف استثمارات الطاقة المتجددة. هذا التسابق المحموم نحو المستقبل، لم تكن المملكة خارج المضمار، بل إن رؤية المملكة 2030 تضيء الطريق لنا في هذا المسار، وتوقد مشاعل النور والإلهام من أجل الوصول إلى اقتصاد مستدام، يستند إلى مزيج من الطاقة، يجعل استخدامات الطاقة الهيدروكربونية في مسارها الذي يحقق المقاييس البيئية المطلوبة، وتحقيق المستهدفات من الطاقة المتجددة، حيث في عام 2017 أنشئ مكتب تطوير مشاريع الطاقة المتجددة لهذا الغرض. وتعد الشمس من أهم الموارد للطاقة في المملكة، وظهر اهتمامها بهذه الطاقة عندما أبرم الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، مذكرة تفاهم في آذار (مارس) من عام 2018 مع ماسايوشي سون رئيس مجلس إدارة صندوق رؤية سوفت بنك، لإنشاء أكبر مشروع للطاقة الشمسية لإنتاج 200 جيجاواط في السعودية بتكلفة 200 مليار دولار. وهناك اليوم نحو 11 مشروعا للطاقة الشمسية، أكبرها مشروع الفيصلية، بطاقة 600 ميجاواط، وأربعة مشاريع أخرى بسعة مركبة تبلغ 300 ميجاواط في رابغ وجدة والرس وسعد، إضافة إلى القريات بسعة 200 ميجاواط، ووادي الدواسر بسعة 70 ميجاواط، والمدينة المنورة بسعة 50 ميجاواط، ورفحاء بسعة 45 ميجاواط ، ومهد الذهب بسعة 20 ميجاواط.. وهكذا، أصبحت مبادرات تطوير إنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية حقيقة اقتصادية في السعودية ولم تعد مجرد مبادرات ورؤى عامة، وتؤكد المملكة مضيها قدما بشكل جدي كي تصبح إحدى أكبر الدول إنتاجا لهذه الطاقة في العالم، حيث أصدر مكتب تطوير مشاريع الطاقة المتجددة في وزارة الطاقة أخيرا، طلبات التأهيل ضمن البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، التي تتكون من أربعة مشاريع لإنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية بسعة إجمالية تصل إلى 1200 ميجاواط.
الجدير بالذكر، أن مشاريع الطاقة الشمسية لا تحقق مستهدفات رؤية المملكة 2030 فيما يتعلق بالاقتصاد المستدام أو بمزيج الطاقة وحسن كفاءة استخدامها فقط، بل إن هذه المشاريع الكبرى تحقق فوائد اقتصادية أخرى فيما يتعلق بتعزيز قدرات القطاع الخاص ونسبة مساهمته في الناتج المحلي. فالمملكة تعمل على تحقيق هذه المستهدفات في تنمية القطاع الخاص من مسارات عدة، أهمها ما يلقاه القطاع الخاص من دعم وصل إلى 72 مليارا، وإطلاق مبادرات مهمة لتطوير قطاعي الصناعة والخدمات اللوجيستية، وتأتي مشاريع الطاقة الشمسية لتعزيز دور القطاع الخاص من خلال ما أعلنه رئيس مكتب تطوير مشاريع الطاقة المتجددة في وزارة الطاقة، أن جميع المشاريع التي ستطرح في المرحلة الثالثة تتطلب حدا أدنى من المحتوى المحلي بنسبة 17 في المائة، وأنه سيتم القياس بناء على منهجية وآلية هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، التي تركز على قياس القيمة المضافة للمحتوى المحلي في الاقتصاد الوطني.
إن المحتوى المحلي يتضمن أيضا تحقيق مستوى محدد من العمالة السعودية في هذه المشاريع، وبالتالي تعزيز الفرص الوظيفية. وهكذا، فإن مشاريع الطاقة الشمسية تمثل منعطفا اقتصاديا مهما وتحقق كثيرا من المبادرات المهمة في رؤية المملكة 2030.

إنشرها