إدارة المخاطر والإجراءات الوقائية

|

نتيجة الفوضى الخلاقة التي اجتاحت معظم أرجاء العالم العربي خلال العقد الماضي، انقسمت الدول العربية إلى قسمين: دول استسلمت طوعا لهذه الفوضى فأصبحت عاجزة عن تطوير ذاتها ومعالجة مخاطرها والتصدي لتحدياتها، ودول انتفضت لجمع شملها واستغلال قدراتها في إدارة المخاطر المحدقة بها فأصبحت قادرة على تعزيز مكانتها والمحافظة على حقوقها وتنمية مصادر دخلها.
تعرف المخاطر بأنها احتمال وقوع خطر أو حدوث ضرر أو أي حدث سلبي آخر ينتج عن نقاط ضعف خارجية أو داخلية، سواء كانت استراتيجية، اقتصادية، صحية، تقنية، حربية، قانونية، أو غيرها. وتقوم دول العالم بتجنب هذه المخاطر من خلال هيئاتها المختصة بإدارة المخاطر وإجراءاتها الوقائية المدروسة للحد من عواقبها وتحييد تهديداتها والتحكم فيها للقضاء عليها بشكل نهائي، فتصبح نتائج أعمالها وتوصياتها جزءا أساسيا من قراراتها السليمة.
ونظرا إلى المخاطر تعد حلقة الوصل بين احتمال وقوع الحدث والآثار المترتبة على نتائج حدوثه، فقد حثت جميع الأديان على مواجهة الأحداث وإدارتها وتتبع مساراتها والتصدي لتحدياتها، سواء كان ذلك من خلال تجنبها أو تخفيف وطأتها أو نقلها إلى جهة أخرى.
وجاءت القاعدة الاقتصادية الأولى لإدارة المخاطر في قصة سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: "يُوسُفُ أَيهَا الصديقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُن سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لعَلي أَرْجِعُ إِلَى الناسِ لَعَلهُمْ يَعْلَمُونَ. قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبا فَمَا حَصَدتمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلا قَلِيلا مما تَأْكُلُونَ. ثُم يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدمْتُمْ لَهُن إِلا قَلِيلا مما تُحْصِنُونَ. ثُم يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ".
واليوم يطالب البنك الدولي في تقاريره عن التنمية - القاعدة الاقتصادية - جميع دول العالم بضرورة إنشاء أجهزتها المختصة بإدارة المخاطر في مؤسساتها كافة، وبناء قدراتها كي تتمكن من إدارة المخاطر المحدقة بها والصمود أمامها، مؤكدا أن: "عملية مواجهة المخاطر، والتأهب لها والتكيف مع آثارها، توفر فرصة لا غنى عنها لتحقيق النمو والازدهار والتنمية لكل الشعوب".
كما يؤكد صندوق النقد الدولي في تقاريره أن: "ضرورة إدارة المخاطر جزء مهم من التنمية البشرية، لتتحول الاستثمارات في هذه الإدارة من مرحلة التجاهل، كما لو كانت نوعا من العبء الإضافي الذي تتحمله الدولة على مضض، إلى كونها جزءا لا يتجزأ من التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي". وبناء عليه تحذر هذه التقارير من أن: "مخاطر التراخي في إدارة المخاطر قد تكون الخيار الأسوأ على الإطلاق، والحل لا يكمن في رفض التغيير من أجل تفادي الخطر، بل في التأهب للفرص والمخاطر التي ينطوي عليها التغيير". ومن هذا المنطلق، قامت السلطات العليا في معظم دول العالم بإنشاء أجهزة مختصة لإدارة المخاطر وتوظيف أهدافها للحد من الخسائر المحتملة إلى أدنى حد ممكن، وتأمين عدم تكرار حدوثها والسيطرة عليها قبل تفاقمها من خلال الرقابة الفورية على الأحداث، والحد من خسائرها قبل أو بعد حدوثها. وتأكيدا على أهمية تحديد العلاج النوعي لكل نوع من أنواع المخاطر وعلى جميع مستوياتها، بادرت جميع البنوك والمصارف في كل أرجاء المعمورة بتأسيس أجهزتها المختصة بإدارة المخاطر لإحكام الرقابة والسيطرة على أنشطتها وأعمالها التي ترتبط أصولها بالقروض والسندات والتسهيلات الائتمانية وغيرها من أدوات الاستثمار، للمحافظة على هذه الأصول وحماية مصالح المودعين والدائنين والمستثمرين في سنداتها.
ولعل أفضل مثال واقعي على تفاعل الدول المتقدمة والنامية مع إدارة المخاطر، ما قامت به مؤسسة "إي آي يو" المختصة بتصنيف المخاطر الأمنية والسياسية الأكثر خطرا على الاقتصاد العالمي، حيث صنفت العام الماضي انهيار سوق الأسهم الصينية وانخفاض أسعار السلع الأولية على رأس هذه المخاطر. وجاء التهديد المتنامي للإرهاب وتأثيره في استقرار الاقتصاد العالمي في المركز الثاني، تلاه تباين السياسات النقدية التي قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التقلب في سوق العملات، بينما جاءت التوترات الجيوسياسية في العالم في المرتبة الرابعة كأكثر المخاطر تأثيرا في الاقتصاد العالمي.
وقبل أيام صدر في بريطانيا تقرير مركز أبحاث السياسات الاقتصادية محذرا دول العالم عامة ومجموعة العشرين خاصة أن التجارة العالمية تواجه أسوأ مراحلها بسبب السياسات الحمائية التي تنتهجها الدول الرأسمالية المؤسسة للعولمة الاقتصادية. وأكد التقرير أن أمريكا احتلت المرتبة الأولى كأكثر الدول استخداما لهذه السياسات من خلال تطبيق أكثر من 600 نوع من الإجراءات التمييزية ضد الشركات الأجنبية في العقد الماضي. لذا استمر نمو التجارة العالمية ضعيفا وبمعدل 2.8 في المائة في العام الماضي، ما يجعله العام الخامس على التوالي الذي يحقق فيه نمو التجارة العالمي نسبة أقل من 3 في المائة وفقا لآخر تقرير صادر عن منظمة التجارة العالمية.
هذه السياسات المشوهة للتجارة أخذت في العام الماضي منحنى خطيرا بعد أن فرضت كل من أمريكا والصين رسوما جمركية حمائية على وارداتهما، ما سيدفع أمريكا والصين إلى حروب تجارية ونزاعات دولية ستؤثر سلبا في الاقتصاد العالمي.
عالم الغد لن يكون مثل عالم الأمس أو حتى مثل عالم اليوم، فالدول التي فشلت في الدفاع عن مصالحها وتطويع النظام العالمي الجديد لمصلحتها، ستتأثر بتفاقم التقلبات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، وزيادة وتيرة الحروب التجارية بين الشرق والغرب، إضافة إلى الارتفاع الخطير للديون السيادية العالمية، التي فاقت ثلاثة أضعاف الناتج العالمي الإجمالي.

إنشرها