ثورة الثروة

|

أحد الأسئلة القديمة والمهمة في التنمية الاقتصادية: لماذا ارتفع مستوى المعيشة بقوة في القرن الـ19 بعد آلاف الأعوام من استقرار نسبي أقرب إلى الفقر؟ وهل تستمر الثروة في النمو أو هل العالم سيختار الاستقرار بدلا من استمرار الثروة في النمو؟ يحاول الدكتور ستيفن ديفز Stephen Davies أستاذ التاريخ والاقتصاد والفلسفة الاجتماعية في كتابه (انفجار الثروة: طبيعة وأصل الحداثة)Wealth Explosion: The Nature and Origins of Modernity. والكتاب يتابع تطور الحداثة الاقتصادية من منظار تاريخي مقارنة بالتجارب الاقتصادية الاجتماعية بين الأمم عبر الحضارات. ما يتبع هو استخلاصي عدة مراجعات لكتاب ومقابلة إعلامية مع المؤلف. المؤلف مهتم في الأساس بكيفية نشوء وتطور الاقتصاد الديناميكي الحديث من خلال الإبداع. المدهش أن بداية الثروة الحديثة حدثت في شمال غرب أوروبا -منطقة من العالم تاريخيا ليست واجهة للتقدم، فالمركزية الاقتصادية كانت في منطقة المحيط الهندي خاصة شرق وجنوب الصين. لا بد من حدث مختلف نوعيا جعل الحضارة الحديثة تبدأ في هذا الجزء من العالم وليس في المناطق المعروفة تاريخيا، فكان محيط البحر المتوسط في القرون قبل الميلاد والشرق الأوسط في الثامن والتاسع بعد الميلاد والصين خاصة في الثاني والـ13، لكنها لا تستمر حين تتوقف حركة الإبداع. يعتقد أن حركة الإبداع لم تتوقف في أوروبا بسبب التنافس بين دول شبه مستقلة وعلى درجة من القوة منذ بداية أواسط القرن الـ17. بينما في المناطق الأخرى من العالم سيطرت إمبراطوريات كبيرة منذ القرون الوسطى. هذا التنافس جعل حكام الدول الأوروبية في حاجة متواصلة إلى الإبداع بغرض التمكين والاستمرار، فبولندا التي لم تواكب التنافس والإبداع انتهت بالتقسيم.
نجاح أوروبا يكون أوضح مقارنة بتجربة الصين في حقبة سلالة سونج Song التي حكمت من منتصف القرن العاشر إلى نهاية الـ13 التي كان لديها مقومات للتحديث مثل قوة النظام والقانون وحماية الحقوق ومنظومة مالية ونظام محاسبي وشبكة تجارية كبيرة ونظام نقدي إلى حد أن مستوى الصين في القرن الـ12 مشابه لمستوى أوروبا في القرن الـ18. لكن الاختلاف الأساس أن الصين كانت دولة واحدة، لذلك حتى المغول لم يغيروا كثيرا بغزوهم الصين لكنهم أحدثوا هزة نفسية للنخبة الصينية والعقلية الصينية العامة. في 1368 استطاعت الصين التخلص من المغول بقيادة سلالة منج Ming، لكن نخبتها اعتقدوا أن سبب هزيمة المجتمع سيطرة النظام التجاري المفتوح أثناء حكم سونج ولذلك عملوا على حكم محافظ وأقل إبداعا وديناميكية، إلى حد التوقف تماما عن بعض التقنيات والأسطول البحري الذي كان الأكبر في العالم وإعادة تأهيل سور الصين الذي بدأ بناءه منج لكن دون اهتمام كبير. ربما هذه حالة حادة في توقف المجتمع حيث قررت النخبة التوقف بمساعدة جزء مؤثر من المجتمع. إذ اعتقدوا أن التغير جر المآسي عليهم. كذلك فعل العباسيون على حد قوله، بينما الدول الأوروبية دخلوا في منافسة شرسة للتمركز ووجدوا في الإبداع التقني عاملا حاسما للتوظيف الحربي أولا ثم الاقتصادي. فكان لدى الصين "نظام رأسمالي" وإن لم يأخذ الاسم. كما كانت الحال في الحضارة الرومانية والعباسية حيث توافرت الشروط المعروفة اليوم، لكنها مختلفة من حيث شمولية وعمق أسواق رأس المال وسيطرة الشركات الكبيرة كما حدث في آخر قرنين.
التحول الحقيقي حدث في القرن الـ18 على أثر اختراع الماكينة البخارية من نحو 1750 خاصة في السبعينيات من القرن الـ18، لكن أيضا هناك إبداعات في الأدوات والآليات الزراعية وأيضا في الأساليب الإدارية للإنتاج. أيضا لا بد من ذكر التحول في توظيف المنطق العملي وليس المقصود هناك تنظير فلسفي لكن دراسة العالم والظواهر والتجريب، ربما لم يكن هذا التوجه جديدا لكنه وصل إلى قطاعات أوسع من الناس ولذلك حدث تحول في التفكير العام. هذا التطور البشري قاد إلى مستوى جديد من التحرر والحرية، المضمون الاقتصادي هنا أن الناس حصلوا على الفرص لعمل ما يرونه مناسبا في المردود والتخصص والتوجه إذ ليس هناك ضرر على الآخرين. هذه المنظومة من الأفعال والأفكار والبيئة المشكلة كونت حالة جديدة ومسارا قابلا للتسارع ومكلفا على من فاته القطار. . لاحقا نتابع طبيعة مسيرة التغير المدني والاقتصادي.

إنشرها