إدارة الأرباح وحجر الأساس

|


تحدثت في المقالين الأخيرين عن ممارسات إدارة الأرباح ومدى الضرر الذي تحدثه بالأفراد والمنشأة والاقتصاد. ولتفادي هذه الممارسات من الجلي القول إن البداية تأتي من ضوابط الحوكمة وثقافة تفعيلها وقدرة ونية جميع الأطراف المؤثرة في سير أعمال المنشأة على تطبيقها. هناك زوايا كبرى تحصر فيها الظروف التي تسمح بحدوث ممارسات إدارة الأرباح، الأولى مرتبطة بوعي ومسؤولية مجلس المديرين، والثانية بصلاحيات صنع القرار داخل المنشأة والضوابط الإجرائية الخاصة بإدارة الحسابات، والثالثة الشفافية ومدى تفاعل الأطراف المستقلة مع أعمال وحوكمة المنشأة. بالتأكيد هناك باقة أخرى من العوامل والظروف التي تحد من ممارسات إدارة الأرباح، لكن في اعتقادي جودة هذه الزوايا كفيل بنقل المنشأة إلى واقع مختلف تقل فيه فرصة حدوث الأفعال التي لا يرغب في رؤيتها أحد، خصوصا عندما تكشف للملأ بعد أعوام في صورة خسائر وفضائح واتهامات.
لا ينكر أحد أن فريق العمل وجودته يمثل القوة الدافعة نحو الأداء الجيد. ولو كان فريق العمل المؤدي هو الرئيس التنفيذي وكتيبته من المديرين والموظفين، فإن القوة الموجهة الرئيسة هي مجلس الإدارة ولجانه. لذا، يمكننا بكل بساطة القول إن ضعف مجلس الإدارة وضعف الضوابط التي تؤطر عمله ستصنع لنا البيئة المثالية لانتهاز الفرص وتنعش بيئة الاستغلال والتضليل وتصنع – مع مرور الوقت – كثيرا من الخيبة. المثير في الأمر، أن تطور ضوابط الحوكمة لا يكفي في حد ذاته للحد من هذه المشكلة، وذلك لأن وضع القانون لا يعني بساطة أن الممارسين يفهمونه أو حريصون على تطبيقه. لو أخذنا على سبيل المثال أي مجلس إدارة يفتقد إلى الخبرات المحاسبية والمالية الملائمة لطبيعة أعمال المنشأة، لتبينت لنا مواطن الضعف الجلية التي ستظهر متأخرا جدا لأعضاء المجلس، إن ظهرت واكتشفوها. والتحدي ليس فقط في وجود الخبير المحاسبي أو المعرفة الفنية بمعايير التقرير المالي، بل في توقيت قراءة التقارير، وجودة توضيح ما يستجد من أعمال، وكيفية انعكاسها محاسبيا وماليا، والتخطيط لما يستشرف بهذا الخصوص. وقد تتأصل المشكلة بشكل أكبر حين يطمئن المجلس لوجود مختص أو خبير بسيرة عطرة وغنية، لكن حين لا يقوم هذا الخبير بالدور المنوط به تحصل مشكلة أخرى ترتبط باعتمادية أعضاء المجلس على حجر زاوية لا يسند الجدار بشكل متزن، فتأتي مفاجأة سقوطه بعد حين. إذن العملية هناك لا تقتصر على وجود الخبرة، ولا تكتفي بكثرة المستندات التي تشرح كل ما يجب شرحه من سياسات وصلاحيات وإجراءات. هناك كثير من ممارسات القراءة الضعيفة، والالتزام الشكلي، والتوقيع – مع الجميع - على قوائم ومحاضر لا تخضع للتمحيص الكافي. مثال بسيط: العشوائية في إدارة أعمال المجلس نفسه وضعف التحضير وتأخر خروج المحاضر ورصد النقاشات وفي الوقت نفسه ضرورة الموافقة على بعض القرارات في وقت محدد، يعني الالتزام بالمتطلبات شكليا على حساب الجوهر. الحل بطبيعة الحال هنا لا يقوم على تجاهل المتطلبات الشكلية، إنما ضبط رتم الإيقاع كاملا، وهذا الأمر يتطلب تدريب من يقوم على أمانة المجلس وأعماله وتدريب أعضائه وإدارته كمشروع دائم ومستمر، وأي تأخير أو تضحية بأحد متطلباته، يعني مقدارا لا يمكن تعويضه من الخسارة.
إذا ضبطت أعمال المجلس وارتقت تفاعلاته، ستبدأ أعراض المرض والضعف في الاختفاء، وهناك تستمد بقية الزوايا قوتها وتستنير وتحيا بفاعلية وكفاءة المجلس وفريق عمله. لو نظرنا إلى الزاوية الثانية التي ذكرتها في بداية المقال "صلاحيات صنع القرار داخل المنشأة والضوابط الإجرائية الخاصة بإدارة الحسابات"، فالحديث هنا عن تسلسل الصلاحيات من مصدرها الأساسي وما ينص عليه عقد التأسيس حتى وصولها إلى أصغر موظف داخل الشركة، وأي ضعف في هذا التسلسل، يعني أن هناك حلقة مفقودة قد تتحول إلى ثقب أسود يبتلع كل المجهودات في أي لحظة؛ ومن ذلك: منح المدير المالي أو الرئيس التنفيذي صلاحيات أكبر مما يجب. الأمثلة هنا لا تنتهي ويمكن إسقاطها على أي مستوى وأي موظف داخل المنشأة. المسألة لا ترتبط بتصميم وتوزيع الصلاحيات فقط، بل بآلية تطبيقها والقدرة على مراقبة هذا التطبيق. وهذا في نظري جوهر الأمر وموطن الخطر الأكبر، فكما نعرف جميعا، وجود القاعدة لا يعني اتباعها بالضرورة. أتساءل بشكل أكثر وضوحا: بعد وجود أنظمة تخطيط الموارد وعديد من أشكال الأتمتة لعدد طويل من الأعوام، هل من يقوم بعكس العمليات وتعديل واقعها في نظام وقواعد بيانات الشركة، يملك كامل الحق والصلاحية لتنفيذ ذلك؟ هل يتم توثيق أي إجراء استثنائي بشكل كاف وواضح؟ هل يمكن مراقبة هذا الفعل واكتشاف تجاوزاته إن حصلت؟
لو استند بناء المنشأة على الزاوية الأولى "مجلس المديرين" بشكل قوي ومتوازن، ستبدأ الزاوية الثانية في أخذ قوامها وستقوم بعملية المساندة السريعة، وهذا بدوره يصنع لنا الظروف المثالية لتقوية ودعم الزاوية الثالثة "الشفافية". لن تقوم زاوية الشفافية في بيئة عامرة بالأخطاء والتجاوزات، ولن تتمكن أي منشأة من إصلاح أخطائها والحديث عنها بشكل شجاع، وتطرح ما لديها للأطراف المستقلة المهمة "مراجع الحسابات، والجهات التنظيمية... إلخ" بكل شجاعة إن لم تكن واثقة بأعمالها وممارساتها. هناك فرق كبير من مجلس إدارة يحاول حماية المستثمرين وحماية القيمة التي أؤتمن على تنميتها، وبين مجلس إدارة يحاول حماية نفسه من أي تبعات مستقبلية، وهذا الفرق ينعكس مباشرة على كل الأطراف الأخرى، وينعكس بطبيعة الحال على الأعمال والنتائج.

إنشرها