توأمة الجامعات والابتعاث الخارجي والتحول الرقمي

|

عندما نقول "توأمة" فنحن أمام مصطلح يعني أننا أمام وحدتين استراتيجيتين، بمعنى مؤسستين تعملان في مجال معين، نريد أن نجعلهما "توأمين"؛ أي نسعى إلى تعاون وثيق بينهما يستفيد منه الطرفان في تحقيق أهداف يرغبون فيها. وقد أوردت "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD"، المعروفة بـ"نادي الدول الغنية"، هذا المصطلح في "كتيب تنفيذي حول التوأمة Twinning Manual"، صدر عام 2017، لمساعدة مؤسسات الدول الأعضاء في المنظمة على التعاون وتبادل الخبرات والإمكانات في المشاريع المختلفة. كذلك أوردت "منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم: اليونيسكو UNESCO" هذا المصطلح في وثيقة أصدرتها عام 2009 بعنوان "التوأمة والربط بين الجامعات"؛ وتطرح الوثيقة برنامجين للتعاون أحدهما بين الجامعات و"اليونيسكو"، والآخر بين جامعات مختلفة، والهدف هو تعزيز إمكانات مؤسسات التعليم وتفعيل تبادل الخبرات.
ويشهد العالم اتفاقيات توأمة وتعاونا بين الجامعات على نطاق واسع، ولجامعات المملكة إسهامات في هذا المجال. وتهتم الجامعات الآسيوية بصورة خاصة بمثل هذه الاتفاقيات تعزيزا لخبرتها في التعليم العالي، وعملها على بناء جامعات متميزة على المستوى الدولي. ومن أمثلة ذلك ما ورد في ورقة بحثية حول الموضوع نشرت عام 2012 في "مجلة تنمية التعليم في منطقة آسيا - باسفيك" الصادرة عن "الأكاديمية الوطنية لبحوث التعليم في تايوان". فقد تحدثت الورقة عن التعاون القائم بين إحدى جامعات تايوان الخاصة وعدد من الجامعات حول العالم، في مجال "الدرجات العلمية المشتركة". وورد في هذه الورقة أن اتفاقيات التوأمة والتعاون التي أبرمتها هذه الجامعة، في هذا المجال، شملت: جامعات أمريكية، وبريطانية، وأوربية، وآسيوية.
تستفيد الجامعة التايوانية الخاصة من هذه الاتفاقيات في تفعيل خبرتها وتطورها، وفي تسويق درجاتها العلمية عبر ربطها بجامعات أخرى متميزة في الموضوعات المختلفة المطروحة في الاتفاقيات. وتستفيد الجامعات الأخرى بتفعيل عولمة درجاتها العلمية، وبناء ولاء علمي لها ولمعطياتها في دول أخرى، فضلا عن الرسوم التي يمكن أن تتقاضاها نتيجة هذه الاتفاقيات. وتقل مثل هذه الرسوم كثيرا عن رسوم التعليم لو أن طلاب تايوان ابتعثوا للدراسة فيها، لكن تبقى المسألة وهي الاستفادة من إتاحة الفرصة لعدد أكبر من الطلاب، خصوصا أولئك الذين لا يستطيعون تحمل نفقات السفر والحياة بعيدا عن أوطانهم، إضافة إلى توسيع دائرة التأثير في مستوى العالم.
أعطى التحول الرقمي بعدا جديدا لعولمة التعليم العالي، واتفاقيات التوأمة والتعاون بين الجامعات. وقد أوردنا في مقالات سابقة كيف أن الجامعات المتقدمة حول العالم، مثل "هارفارد، ومعهد ماساشوستس، وستانفورد" اهتمت وتهتم بعولمة معطياتها عبر التحول الرقمي. ويأتي هذا الاهتمام على الرغم من أن مثل هذه الجامعات تحرص أصلا على العولمة عبر جذب الطلاب من مختلف أنحاء العالم للقدوم إليها والدراسة فيها، من خلال بعثات ودعم ومكافآت مختلفة. ولعل هناك سببين رئيسين لذلك: أولهما أن الجامعات المتقدمة تسعى دائما إلى أن تكون في مقدمة أي تغيير تراه مفيدا وحتميا؛ وثانيهما أن رغبتها في عولمة معطياتها تتعزز بالتحول الرقمي من خلال الانتشار على نطاق واسع غير مسبوق. ولا شك أن كثيرا من الجامعات تسعى أو ستسعى إلى مثل ذلك في المستقبل.
على مدى أعوام طويلة سعت المملكة، ودول أخرى كثيرة طامحة إلى التقدم، وابتعاث أبنائها المتفوقين للدراسة في جامعات دول العالم المتقدم، والعودة بخبرة وتميز معرفيين يسهمان في التنمية ويدعمان استدامتها. وكانت تدفع لهم تكاليف ذلك شاملة الرسوم الجامعية ومتطلبات الحياة على مدى لا يقل غالبا عن خمسة أعوام، سواء في مرحلة دراسة البكالوريوس، أو الدكتوراه. وإذا اعتبرنا أن التكاليف السنوية للطالب هي "50 ألف دولار"، تكون تكاليف دراسة الطالب الواحد "250 ألف دولار"، هذا علما أن جامعة هارفارد تقدر التكاليف السنوية بنحو "70 ألف دولار"، لتكون تكاليف دراسة الطالب الواحد "350 ألف دولار".
ولعله من المفيد التوجه من الآن نحو العمل على الاستفادة من "التحول الرقمي" من جهة، و"اتفاقيات التوأمة والتعاون" مع جامعات مرموقة حول العالم من جهة أخرى، لأن في مثل ذلك معطيات كثيرة يمكن استثمارها والاستفادة منها. الجوهر في هذا المجال هو إيجاد برامج أكاديمية ودرجات علمية في جامعاتنا، مشتركة مع جامعات عالمية متميزة، ليس بالضرورة أمريكية أو بريطانية فقط، بل ربما آسيوية وأوروبية أيضا؛ ففي ذلك إثراء للخبرة في جامعاتنا، وتطور يتبع معطيات العصر ويستجيب لمتغيراته، ويشجع على الريادة في شؤونه. وهناك فوائد أخرى كثيرة لذلك سنحاول طرح أبرزها في التالي.
من بين الفوائد المهمة الحد من الابتعاث والسفر إلى الخارج والاستفادة من البرامج الأكاديمية المشتركة مع الجامعات الأجنبية. ففي ذلك تخفيض لنفقات الابتعاث يعود بالفائدة على توسيع دائرة المستفيدين من التعليم العالي عبر البرامج المشتركة. وفي ذلك أيضا تطوير للمناهج الدراسية، بما يتناسب مع موضوعات التقنية الحديثة ونقلها وتوطينها محليا. وفي إطار موضوعات رسائل الماجستير والدكتوراه، يمكن في كثير منها اختيار موضوعات تتوافق مع قضايا محلية تسعى إلى تقديم حلول وتطورات محلية مفيدة بشأنها. ويضاف إلى ذلك، توجيه مزيد من الاهتمام إلى تقنية المعلومات والاتصالات التي تمثل بنية التحول الرقمي، والعمل على تطويرها، وبناء مزيد من التطبيقات الذكية والمفيدة التي تستند إليها.
لا شك أن العولمة باتت أمرا واقعا، وبالذات في قضايا التقدم المعرفي ومعطيات التقنية الرقمية، وتطبيقاتها المختلفة، وتجددها المتواصل. ولأن جذور كل ذلك تكمن في التعليم عموما، والجامعات على وجه الخصوص، فإن مسؤولية قيادة "التحول الرقمي" وريادته تأتي على عاتق الجامعات. وعلى ذلك، ينتظر من الجامعات أن تهتم اهتماما متكاملا بوسائط عولمة التعليم والتقنية المرتبطة بها؛ وأن تسعى إلى تفعيل التوأمة والتحول الرقمي، وتهتم بتحديث شؤون الابتعاث، الداخلي والخارجي في آن معا؛ الداخلي ضمن جامعاتنا، والخارجي عبر التوأمة والتحول الرقمي. والأمل أن نسعى عبر أساليب تتمتع بالكفاءة والفاعلية، إلى عطاء معرفي متميز يسهم في التنمية ويعزز استدامتها.

إنشرها