رحيل أيقونة مكافحة الفقر في العالم

|
كاتب ومستشار اقتصادي


يعرف كثيرون البنجلادشي محمد يونس الفائز بجائزة نوبل عام 2006 لجهوده في مكافحة الفقر في موطنه من خلال مصرف جرامين، الذي أسسه ليكون مصرفا لدعم مشاريع الفقراء، بينما على اليد الأخرى؛ قلة هم من يعرفون شيئا عن البنجلادشي الآخر فاضل حسن عابد، الذي يعرف بـ"أيقونة مكافحة الفقر" في بلاده والعالم أيضا، حيث انتقل إلى رحمة الله هذا الأسبوع عن عمر يناهز 83 عاما.
عابد هو مؤسس ومدير أكبر منظمة خيرية غير حكومية في العالم، وهي منظمة "براك BRAC"، التي تهتم بتنمية وتطوير التجمعات الريفية الفقيرة في بنجلادش، واسمها مشتق من الحروف الأولى لـBangladesh Rural Advancement Committee، وتغير اسمها لاحقا بعد توسع نشاطها ووجودها في أكثر من دولة إلى "منظمة بناء الموارد في المجتمعات Building Resources Across Communities.
أسس عابد منظمة براك في 1972 لمساعدة الفقراء والمنكوبين من أبناء جلدته بعد حرب استقلال بلاده عن باكستان، وكان هدفها في البداية مكافحة الفقر المدقع وبناء المنازل للمنكوبين وبناء بضع مئات من قوارب الصيد للصيادين، وافتتاح عدد من المراكز الطبية لعلاج المرضى، وبالفعل نجح عابد ومنظمته في تخفيف حدة الفقر والعوز لمنكوبي حرب الاستقلال في حينها.
وخلال الـ40 عاما الماضية واصلت المنظمة عملها وتطورها حتى غدت أكبر جمعية خيرية في العالم، وبالأرقام فالمنظمة اليوم توظف ما يزيد على 100 ألف شخص، 70 في المائة منهم من النساء، وتوجد المنظمة اليوم في 64 مقاطعة داخل بنجلادش، كما توجد لها فروع في 11 دولة في آسيا وإفريقيا من بينها دول فقيرة جدا مثل: ليبيريا وسيراليون ونيبال وأفغانستان، وتوسعت المنظمة في تعليم الفقراء، حيث يوجد لديها ما يزيد على 22 ألف مدرسة، كما افتتحت قبل أعوام جامعة تحمل مسمى المنظمة نفسه، ووصلت قروضها متناهية الصغر للفقراء لبدء مشاريعهم ما يربو على ملياري دولار.
وكل الذي سبق ما هو إلا غيض من فيض مما تقوم به المنظمة، التي جاءت في صدارة التصنيف العالمي لأفضل الجمعيات الخيرية في العالم؛ حسب تصنيف شركة "إن. جي. أو. أدفيسور" المهتمة بتصنيف المؤسسات الخيرية في العالم.
ورغم أني أرفع القبعة لعابد ومؤسسته، إلا أن ما يهمني هو وضع العمل الخيري عندنا، وكيف نستفيد من تجربة عابد ومؤسسته؟ فرغم أن لدينا ثماني مؤسسات خيرية مانحة وبضع مئات من الجمعيات الخيرية، وبرامج دعم للمواطنين ومحدودي الدخل كالضمان الاجتماعي وحساب المواطن، وبنك التنمية الاجتماعية والإسكان الخيري والتعاوني وغيرها، إلا أن العمل الخيري في كثير من مؤسسات القطاع، ما زال يحتاج إلى جهود مؤسساتية لا فردية.
وباستثناء بعض المؤسسات الكبيرة، التي لديها استراتيجية متطورة ولها جهود متميزة ومفيدة، إلا أن كثيرا من المؤسسات الخيرية لا يزال عملها يتسم بالطابع التقليدي، وما زال توزيع الأرزاق هو السائد لديها ولا تقدم أية قروض تذكر، وليس لها مدارس ولا منح جامعية، وسبب تبعثر جهودها وتشتتها هو غياب الاستراتيجية الشاملة، وضعف الموارد البشرية التي تعمل فيها، وغياب الابتكار والتجديد في برامجها وتوجهاتها.
ختاما، مات عابد وترك خلفه إرثا ضخما من تراكم العمل الخيري المؤسسي العابر للحدود، وترك وراءه الملايين يلهجون له بالدعاء، ولا شك أن تجربة عابد و"براك" يمكن استلهام دروس كثيرة منها، وأهمها مؤسساتية العمل الخيري وانتشاره وطريقة تمويله، وهي تجربة أتمنى من مؤسساتنا وجمعياتنا دراستها بعمق لاستلهام العبرة والاستفادة من الدرس. وسلامتكم.

إنشرها