التعلم مدى الحياة .. مسؤولية من؟

|

طرحنا في مقال سابق وجهة نظر تقول: إن "التعلم مدى الحياة Life Long Learning:LLL" ضرورة ومتعة. فهو "ضرورة" لأن الإنسان يحتاج إلى "المعرفة" كي يؤدي أعمالا مفيدة، ويحتاج إلى متابعة "تجددها" من أجل مواكبة تغيرات العصر والتفاعل مع متطلبات الحياة والاستفادة من معطياتها. و"متعة" لأنه يثير الاهتمام ويحفز الخيال ويطلق شهية العقل نحو المعرفة وتجددها، وربما العمل على تجديدها أيضا. ويكتسب التعلم في العصر الذي نعيشه، أهمية خاصة بسبب تسارع إيقاع تجدد المعرفة، وسرعة إيجاد التطبيقات العملية لها، ويجعلها حية تقود حياة الإنسان المهنية والاجتماعية نحو اتجاهات غير مسبوقة. وعلى ذلك، فنحن في هذا العصر على موعد مع "ضرورات متجددة" علينا اكتساب المعرفة بشأنها، والإبداع والابتكار فيها؛ وعلى موعد أيضا مع "متع ترافق الضرورات" في اكتساب التجدد وتقديم الجديد.
سننطلق في هذا المقال من حقيقة أن في "التعلم مدى الحياة ضرورة ومتعة" لنحاول مناقشة "المسؤولية" عن تمكين هذا "التعلم" والاستفادة من معطياته في تفعيل التنمية وتعزيز استدامتها. ولعلنا نضع لهذه المسؤولية عددا من المستويات: المستوى الأول هو ذاك الذي "يؤسس لبيئة التعلم مدى الحياة" ويحفز الإنسان على ذلك؛ والمستوى الثاني هو الذي "يوفر موارد التعلم مدى الحياة ويطرح مسارات الاستفادة منها"؛ أما المستوى الثالث فهو الذي "يفعل الاستفادة من هذا التعلم، ويشجع على الإبداع والابتكار، وتنشيط التجدد المعرفي". وفي إطار كل من هذه المستويات، هناك أكثر من لاعب أو جهة مؤثرة، كما هو موضح في الفقرات التالية.
إذا نظرنا إلى الجهات الرئيسة المؤثرة في المستويات سابقة الذكر، نجد أن هذه الجهات تشمل: المؤسسات الثقافية والإعلامية؛ والمؤسسات التعليمية والتدريبية؛ إضافة إلى "مؤسسات الأعمال". وفي إلقاء الضوء على دور كل من هذه المؤسسات، نبدأ "بالمؤسسات الثقافية والإعلامية". فتشمل هذه المؤسسات كل ما يرتبط بالنشر الثقافي والإعلامي عبر مختلف الوسائط الإلكترونية وغير الإلكترونية. ويشمل ذلك: الإذاعة والتلفزيون، ووسائط الإنترنت المختلفة، إضافة إلى الكتب والمجلات والصحف سواء الإلكترونية منها أو الورقية.
تتمتع "المؤسسات الثقافية والإعلامية" بتأثير كبير في المستوى الأول، المستوى الذي يؤسس لبيئة التعلم مدى الحياة، وتشجيع الأفراد على التعلم، واستمرار هذا التعلم، وتمكينهم من الانطلاق نحوه عبر تقديم المواد الأساسية اللازمة لذلك. وليست المؤسسات الثقافية والإعلامية المحلية هي المؤثر الوحيد في هذا المستوى، بل إن هناك أثرا كبيرا أيضا للمؤسسات الدولية المماثلة، خصوصا مع التلاشي التدريجي لحدود انتشار المعرفة حول العالم. وتؤثر المؤسسات التعليمية والتدريبية، وكذلك مؤسسات الأعمال، في هذا المستوى عبر الكتاب الذين ينتمون إليها من ناحية، وعبر المعطيات الثقافية والإعلامية التي يقدمونها.
وننتقل إلى "المؤسسات التعليمية والتدريبية" التي تشمل ليست فقط الجامعات، بل كليات المجتمع ومعاهد التعليم الفني والتدريب المهني، إضافة إلى مدارس التعليم العام، وغيرها. يكمن الدور الرئيس لهذه المؤسسات ضمن إطار "التعلم مدى الحياة" في مستوى المسؤولية الثاني الخاص "بتوفير الموارد اللازمة لهذا التعلم". وتبرز هنا، بصورة خاصة الموارد التي تؤدي إلى تحديث الإمكانات المهنية استجابة للمستجدات المعرفية؛ أو تلك التي تقدم معارف ومهارات غير مسبوقة، تفتح آفاقا جديدة للعمل المهني لم تكن متوافرة من قبل، استجابة على سبيل المثال لمتغيرات سوق العمل التي يحملها الذكاء الاصطناعي تدريجيا إلى العالم بأسره. ولا شك أن "مؤسسات التعليم والتدريب" هي الجهات الأكثر قدرة على أداء هذا الدور، ويؤمل أن يكون أداؤها لهذا الدور مقترنا بالتعاون مع "مؤسسات الأعمال المختلفة" التي تسعى إلى تحديث أعمالها وتفعيل نشاطاتها في إطار مجريات العصر.
ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى أن موضوع "التعلم مدى الحياة" ليس بجديد على "مؤسسات التعليم والتدريب" خصوصا "الجامعات" بل هو يلقى اهتماما كبيرا في كثير من الجامعات، تحت اسم "التعليم المستمر Continuous Education". وسنقدم فيما يلي مثالا يوضح أهمية هذا الأمر. يرتبط هذا المثال بقول مهم يطرح عدم كفاية "الدرجة الجامعية" لمتطلبات الحياة المتجددة. صاحب القول هو ريتشارد برودهيد Richard Brodhead الذي كان رئيسا لجامعة ديوك Duke University الأمريكية الشهيرة؛ والقول هو التالي: "ليست الدرجة الجامعية لقاحا يؤخذ لمرة واحدة ويكفي مدى الحياة". والمقصود هنا هو أن هذه الدرجة ليست سوى الأساس الذي يمكن الإنسان من "التعلم المستمر" أو التعلم مدى الحياة، وبناء الخبرة والمعرفة المتجددة، مع استمرارها.
يضع كثير من الجامعات "برامج للتعليم المستمر" يجري تنفيذها إلكترونيا أو مباشرة، في إطار ما بات يعرف "بالمهمة الثالثة للجامعات Third Mission"، وسميت كذلك على أساس أن المهمة الأولى هي "التعليم النظامي"، والثانية هي "البحث العلمي"، والثالثة هي: "التعليم المستمر؛ وخدمة المجتمع؛ ونقل التقنية". ويبرز في إطار هذه المهمة الثالثة دور "مؤسسات الأعمال" في المسؤولية على المستوى الثالث، والقاضية "بتفعيل الاستفادة من هذا التعلم، والتشجيع على الإبداع والابتكار، وتنشيط التجدد المعرفي". ويحتاج ذلك بالطبع إلى شراكة واضحة بين "مؤسسات الأعمال" و"مؤسسات التعليم والتدريب"، تستطيع تقديم أعمال تؤدي إلى معطيات متميزة في خدمة المجتمع.
يقدم "التعلم مدى الحياة" فوائد عديدة للإنسان والمجتمع جعلت منه "ضرورة ومتعة"؛ لكنه كي يكون معطاء، يحتاج إلى بيئة تحفزه وتستنبت خصائصه في كل فرد؛ ويحتاج إلى موارد معرفية تفعله وتقدم له ما يحتاج إليه وما يرغب فيه مهنيا واجتماعيا؛ ويحتاج إلى من يستفيد منه ويشجعه ليس فقط على اكتساب المعرفة التي يحتاج إليها وإنما على الإبداع والابتكار والعمل على تجديدها. ومن يمكنه أن يحقق كل ذلك غير "المؤسسات الثقافية والإعلامية"؛ و"مؤسسات التعليم والتدريب"، وعلى رأسها الجامعات؟ إضافة أيضا إلى "مؤسسات الأعمال" عبر جهود مستقلة لكل منها وتعاون يؤدي إلى تكاملها ضمن إطار يخدم المجتمع، ويفعل التنمية، ويفتح آفاقا جديدة للمستقبل.

إنشرها