مكافحة الفساد وتطبيق مفهوم المحاسبة الجنائية

|


منذ أن تولى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم في المملكة وهو يعمل جاهدا على تطوير الأجهزة الحكومية، لكنه تطوير لم يسبق للسعودية أن شهدته، فلم يكن تطويرا عاديا بل هو تطوير عميق التأثير مستند إلى أحدث النماذج والممارسات العالمية سواء في علم الإدارة أو الرقابة أو الحوكمة، ولقد كان الدور الكبير الذي قام به ولي العهد الأمير محمد بن سلمان واضحا في تحقيق هذه التوجهات وتطبيقها في الواقع، وتم خلال الخمسة أعوام الماضية عديد من التعديلات الهيكلية التي تهدف إلى تعزيز مفاهيم الحوكمة، وتقييم الأداء وتحسين التقارير ورفع مستويات الشفافية، وهو ما أثمر تحسنا واضحا في جميع المؤشرات التي ترصدها المؤسسات العالمية، مع تنامي الثقة بالقرار الاقتصادي في المملكة، كما شهدت المملكة جهودا كبيرة في موضوع الرقابة بشكل لم تعهده من قبل، فتم إحداث تغييرات في هيكل الأجهزة الرقابية بدءا من تعديل مسمى ديوان المراقبة العامة إلى ديوان المحاسبة، ثم اعتماد أسلوب المحاسبة على أساس الاستحقاق، مع إصدار عدد من المعايير المحاسبية الحكومية من أجل رفع مستويات القياس والعمل المحاسبي الحكومي، وبالأمس القريب أجرى الملك سلمان تعديلا هيكليا في غاية الأهمية بدمج عدد من الجهات الرقابية، وهنا مناقشة أكثر عمقا لهذا التعديل ومقتضياته.
نص الأمر الملكي (أ/277) على الموافقة على الترتيبات التنظيمية والهيكلية المتصلة بمكافحة الفسادين المالي والإداري، حيث تضمن ضم «هيئة الرقابة والتحقيق» والمباحث الإدارية إلى «الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد» وتعديل اسمها ليكون «هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، تنشأ وحدة تحقيق وادعاء جنائي في هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، تختص بالتحقيق الجنائي في القضايا الجنائية المتعلقة بالفساد المالي والإداري، والادعاء فيها، تتولى «هيئة الرقابة ومكافحة الفساد» اتخاذ ما يلزم حيال جرائم الفساد المالي والإداري ومرتكبيها وأطرافها، سواء كانوا من الأشخاص ذوي الصفة الطبيعية من موظفي الدولة المدنيين أو العسكريين أو من في حكمهم من المتعاقد معهم أو غيرهم، أو من الأشخاص ذوي الصفة المعنوية ذات الصلة بتلك الجرائم. هنا نقرأ التحول الرئيس في دور هيئة مكافحة الفساد وهيئة الرقابة والتحقيق، حيث أصبحت تطبق مفهوما حديثا في مكافحة الفساد وهو ما يسمى بالمحاسبة القضائية، أو المحاسبة الجنائية، أو التحقيقات المحاسبية وهي عدة ترجمات للمصطلح الإنجليزي Forensic Accounting، وهو أهم التطورات الأخيرة في عالم مكافحة جرائم الفساد المالية.
أصبحت المحاسبة الجنائية في قلب اهتمام علم مكافحة الفساد والحوكمة بسبب النمو الكبير في جرائم الاحتيال المالي أو ما يطلق عليها أحيانا جرائم ذوي الياقات البيضاء. وهي باختصار مدرسة فكرية متفردة تعمل على دمج علوم المحاسبة والمراجعة ومهارات التحقيق الجنائي ومهارات التفتيش القضائي، القانون والادعاء وحتى "الطب الشرعي"، من أجل البحث والتدقيق واكتشاف الجرائم التي تمت تغطيتها باحتراف محاسبي وقانوني، وذلك باستخدام مهارات فنية عالية مع نفوذ وسلطة وتآمر، فهذه الأنواع من الجرائم المالية، والفساد التي ينفذها المديرون التنفيذيون أصحاب الياقات البيضاء تعد من أصعب وأعقد الجرائم التي يمكن اكتشافها أو الوصول إلى دليل مادي يدين من قام بها، على أن ظواهرها متوافرة، والجميع يشعر بوجود الفساد لكن يصعب تقديم دليل بشأنه، ومما يساعد في تعقيد عملية اكتشاف هذه الأنواع من الجرائم هو تفتت العمل الرقابي وتباعد أطرافه، كما هناك فقدان لعديد من المهارات الأساسية في هذا النوع من العمليات، فمن ذلك أن الباحث الجنائي غير مختص بفنون التلاعب المحاسبي، لذا يصعب عليه الاكتشاف أو التحقيق مع المتورطين فيها، كما أن المحاسب الجيد القادر على اكتشاف التلاعب غير قادر من جانب على بناء قضية جنائية متكاملة الأركان، وهذا في النهاية ينتهي بجميع الأطراف إلى قضية فاشلة لا يستطيع القاضي فيها أن يؤكد التهمة على المتهم أو يصدر حكما بشأنها. في عالم المحاسبة الجنائية فإن كل هذه القضايا تصبح عقل رجل واحد، أو مؤسسة واحدة ذات نظام شمولي تتصرف كشخص واحد، فهو يمتلك جميع المهارات المحاسبية القادرة على اكتشاف التلاعب المالي، وقادر على ترتيب القضية جنائيا، وجمع الأدلة ذات العلاقة بالاتهام، وأيضا قادر على صياغة لائحة الادعاء، ما يجعل فرص التهرب من الحكم القضائي في أدنى حد.
هنا تتضح الحكمة من القرار المهم والتحول الكبير الذي صنعه خادم الحرمين الشريفين في عالم الحوكمة في القطاع العام وهو تحول لم أقف على مثيل له في دول كثيرة، وسيكون إعادة وتأثيرات مهمة، ونتائج جبارة في المستقبل القريب بإذن الله، فهناك الكوادر المتوافرة في هيئة مكافحة الفساد لديهم مهارات محاسبية عالية لاكتشاف التلاعب المحاسبي الذي تم، والكوادر المتوافرة في المباحث الإدارية وهيئة الرقابة والتحقيق لديهم المهارات التي تؤهلهم لبناء قضية جنائية كاملة الأركان، وبدمج هذه الهيئات في هيئة واحدة فإننا أمام فكر واضح المعالم بشأن تطبيق متقدم جدا لمفهوم المحاسبة الجنائية، ومع ذلك فمن المهم أن يتم الدمج بين هذه الهيئات في هذه المرحلة بدقة لتحقيق الرؤية التي رسمها خادم الحرمين الشريفين، بل ستكون بإذن الله تجربة عالمية الطابع وسيتطلع عديد من الدول حول العالم إلى تطبيقها، للحديث في هذا الشأن بقية.

إنشرها