رحيل فولكر محارب التضخم الشجاع

|
كاتب ومستشار اقتصادي


توفي هذا الأسبوع بول فولكر الاقتصادي الأمريكي الشهير الذي أنقذ اقتصاد بلاده من أكبر تضخم عرفته في تاريخها في سبعينيات القرن الماضي خلال رئاسته البنك الاحتياطي الفيدرالي.
وإن كان كثيرون يحفظون اسم جرين سبان ويتابعون لقاءاته بصفته الاقتصادي الذي تسنم رئاسة الفيدرالي لأطول فترة يمضيها مسؤول على هذا الكرسي، إلا أن مختصي الاقتصاد لا ينسون فولكر، ومازالوا ممتنين لموقفه في وقف فورة التضخم الجامح Hyperinflation؛ ويرونه الأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي أكثر من سبان أو غيره من رؤساء الاحتياطي الفيدرالي، لأنه لولا "الكنترول" الذي فرضه على التضخم لربما كان اقتصاد أمريكا مشوها وبوجه غير ما نراه ونعرفه اليوم.
فولكر الذي رحل هذا الأسبوع عن عمر يناهز الـ92 عاما، ولد في الخامس من أيلول (سبتمبر) 1927 في ولاية نيو جيرسي وتخرج في قسم الاقتصاد السياسي في جامعة هارفارد في 1951، ثم عمل خبيرا اقتصاديا في "الاحتياطي الفيدرالي" في مدينة نيويورك بين عامي 1953 و1957، قبل أن ينتقل للعمل في بنك تشيس مانهاتن حتى عام 1961، ثم عين نائبا لوزير الخزانة الأمريكية، وتولى منصب وكيل الشؤون المالية لوزارة الخزانة بين عامي 1969 و1974.
وفي عام 1979 اختاره الرئيس كارتر لرئاسة "الاحتياطي الفيدرالي" ليحارب التضخم الكبير الذي جاوز 14 في المائة، وكان كارتر حاول ومعه مجلس الاحتياطي الفيدرالي قبل مجيء فولكر إنفاذ الوضع بشتى الطرق من أجل العودة بالاقتصاد إلى مساره الطبيعي من خلال عدد من السياسات المالية والنقدية، لكنها لم تؤد إلا إلى زيادة مفاقمة الوضع، وهذا التضخم كان سببا فيما بعد لخسارة كارتر نفسه منصبه في انتخابات 1980 لمصلحة رونالد ريجان.
ويعيد بعض المصادر سبب التضخم الكبير هذا إلى ضعف الثقة بالدولار بعد فك ارتباطه بالذهب في أغسطس 1971 "قفزت أسعار الذهب من 35 دولارا في نهاية 1971 إلى 850 دولارا بنهاية عقد السبعينيات"، وارتفاع أسعار النفط من نحو ثلاثة دولارات في بداية السبعينيات إلى ما يزيد على 35 دولارا في نهاية العقد، وإفراط أمريكا في طباعة الدولار لتمويل حربها في فيتنام.
عودة للتضخم في أمريكا، ففي أواسط الستينيات لم يكن يجاوز 1 في المائة، لكنه قفز في 1970 عند معدل 5.5 في المائة، وليقفز بسرعة عند 12.2 في المائة بحلول 1974، قبل أن يبلغ ذروته عندما جاوز 14 في المائة بحلول 1979، وهي فترة دب فيها الذعر في الأسواق، وخسرت السوق المالية في "داو جونز" ما يربو على نصف قيمتها، وتراجع مؤشر "ستاندرد آند بورز" بمعدل سنوي يبلغ 5.9 في المائة خلال الفترة 1970 - 1979.
بدأ فولكر الاقتصادي طويل القامة (يبلغ طوله 2.4 متر) عهده في "الاحتياطي الفيدرالي" بسياسة نقدية انكماشية، وبحسب حديث له نشر لاحقا يقول: "كي تكون السياسة النقدية فعالة لا بد أن تكون قوية وتتخذ في الوقت المناسب".
سياسة فولكر أو ما سمي بـ"صدمة فولكر أو مبدأ فولكر" فيما بعد بدأت بالرفع المتدرج لسعر الفائدة لمواجهة التضخم من نحو 5 في المائة في بداية عهده إلى 10 في المائة أواخر 1979 ثم ضاعف الرفع إلى 20 في المائة في آذار (مارس) 1980، وخفضه فترة وجيزة في يونيو؛ وعندما عاد التضخم، عاد فولكر لرفع المعدل إلى 20 مرة أخرى في كانون الأول (ديسمبر) وأبقاه فوق 16 في المائة حتى مايو 1981.
وبالتأكيد، لم تكن "صدمة فولكر" بلا تحديات أو سلبيات فالفائدة المرتفعة أدت إلى ركود كبير خيم على السوق الأمريكية خلال الأعوام 80 - 81 حتى منتصف 82 وهو ما رفع أرقام البطالة بشكل كبير، لكن فولكر الذي جدد له الرئيس ريجان ولاية ثانية على رأس "الفيدرالي" عاد في آب (أغسطس) 1982 لتخفيف تشديد السياسة النقدية، ما سمح لمعدلات الفائدة بالهبوط، وبدأت مرحلة الانتعاش القوي للاقتصاد الأمريكي وعاد التضخم لرقم طبيعي عند 2.5 في المائة بداية من حزيران (يونيو) 1983.
ختاما، السياستان المالية والنقدية هما أداتا الحكومة للتحكم في الاقتصاد، مع الأسف قليل من يجيد استخدامهما بشكل فعال لخدمة أهداف الاقتصاد، وقليلون من يملكون شجاعة فولكر للتدخل حينما يتطلب الأمر التضحية بالنمو والتوظيف في مقابل تحقيق الهدف الرئيس وهو علاج التضخم الجامح.

إنشرها