«الناتو» .. حلفاء الأمس خصوم اليوم

|


"حلفنا هو الأنجح على مدار التاريخ"
ينس ستولتنبرج، أمين عام حلف شمال الأطلسي "الناتو"

كأن الخلافات بين الحلفاء الغربيين تنقصها قمة لنشر مزيد من الغسيل الفاضح على الملأ، لكن قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، التي عقدت في لندن لا بد منها، لأنها أولا قمة دورية، كذلك لكونها تنعقد بعد مرور 70 عاما على تأسيس هذا الحلف، الذي لا يزال حاضرا على الساحة الدولية رغم كل المتغيرات التي حدثت منذ انتهاء الحرب الباردة. 70 عاما مر بها الحلف بمراحل متعددة، لكنه لم يظهر في أي وقت من الأوقات خلافاته على الساحة الدولية، وبقيت ضمن أروقته، فيما لو استثنينا الفترة التي تمردت فيها فرنسا في خمسينيات القرن الماضي على هذه المؤسسة، لأسباب ترتبط أساسا بالمفهوم العام لباريس لطبيعة الأحلاف والحلفاء، ناهيك عن عدم ارتياحها دائما لأن تكون تحت قيادة دولة أخرى حتى لو كان الأمر في حلف يضم 28 دولة، خصوصا عندما تكون القيادة شبه خالصة للولايات المتحدة.
لنترك الكلمات الرنانة التي أعلنت من على منصة قمة "الناتو" جانبا وهي على شاكلة "إذا تعرض أحد منا للهجوم، فسنذهب جميعا للدفاع عنه"، أو "السلام الذي نعيشه يؤكد ببساطة أساس هذا التحالف"، أو "مهما كانت اختلافاتنا سنستمر في تحالفنا هذا". كلها جمل تقليدية معروفة مسبقا، بل تكاد تكون هي نفسها التي عادة ما تطلق في ساحات قمم "الناتو". الدول الأعضاء تريد أن تمضي قدما بالحلف، وهو أمر لا أحد يشك فيه، إلا أن الأعوام الماضية أظهرت بوضوح خلافات حادة بين أكبر البلدان المنضوية تحت لواء "الناتو". ومن المفارقة هنا، أنها بلدان حاربت جنبا إلى جنب في الحرب العالمية الثانية، وسقط لها ملايين القتلى في معارك هذه الحرب. أي "الحلفاء المتخاصمون"، أو بمعنى أقل حدة "الحلفاء غير المتفقين".
وهذا ما يذكرنا في الواقع بالمعارك التجارية الجارية بين هؤلاء الحلفاء، وتحديدا بين الولايات المتحدة وعدد من الدول المحورية في أوروبا. فروابط التاريخ والدم والنضال، لم تعد ذات قيمة على الساحة الغربية بشكل عام. ومن هنا لم يكن غريبا أن يهاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب علنا نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، بكلمات قاسية. لماذا؟ لأن الأخير قال قبل فترة وجيزة: "حلف الناتو يعيش حالة موت سريري". وكان ترمب في بداية العام الجاري قد هاجم فرنسا بقوة، التي أعلن رئيسها خططا لإنشاء ما أسماه "الجيش الأوروبي الموحد". بالطبع مثل هذا الجيش يعني تلقائيا انتهاء "الناتو" نفسه لأن الدول الرئيسة التي يقوم عليها هذا الحلف هي أوروبية، دون أن ننسى أن "الناتو" قام أساسا من أجل حماية القارة الأوروبية.
ومع ذلك فالخلافات بين الدول الرئيسة في "الناتو" لا ترتبط فقط بمفهوم وجود الحلف وسبل تطويره وتوجهاته وغير ذلك، لكنها تشمل نقطة ربما هي الأهم على الإطلاق في هذه المرحلة بالذات، نقطة تتعلق بتمويل الحلف. فالولايات المتحدة ومنذ وصول ترمب إلى السلطة فيها، لا تتوقف في طرح مدى تعرضها لـ"الظلم" على مختلف الأصعدة، وأن الإدارات الأمريكية السابقة لم ترفع هذا "الظلم" عنها، بل على العكس كرسته، بفعل الإبقاء على أفضل مستوى للعلاقات الدولية بين واشنطن وبقية العواصم الرئيسة في العالم. عرض الرئيس الأمريكي هذا الظلم، من خلال قوانين منظمة التجارة العالمية أولا، وتحرك من أجل تغييرها، أو على الأقل إدخال إصلاحات جوهرية عليها. ورغم أن أحدا لا يقف في وجه هذه الإصلاحات، إلا أن الخلافات كبيرة حول طبيعتها.
المهم وجد ترمب أن بلاده تسدد الجزء الأكبر من الميزانية السنوية لحلف شمال الأطلسي، وهذا صحيح ومعروف. ففي العام الجاري بلغت حصة واشنطن في ميزانية "الناتو" 22 في المائة (إجمالي الميزانية 1.84 مليار دولار)، وأسهمت ألمانيا بـ14.67 في المائة، وكل من بريطانيا وفرنسا بنسبة 10.5 في المائة. بالطبع تحدد المساهمات المالية بحجم اقتصاد كل دولة لكن الرئيس الأمريكي يرى أنه يجب أن تدفع كل دولة عضو في "الناتو" 2 في المائة من ناتجها الإجمالي المحلي، وهذا سيعفي الولايات المتحدة من بعض مساهماتها السنوية. وهنا تكمن الخلافات الرئيسة بين واشنطن والعواصم المحورية في "الناتو"، مع ضرورة الإشارة إلى أن أشدها تبقى دائما بين باريس والعاصمة الأمريكية، لأسباب ترتبط بالحاضر وتتعلق بالتاريخ أيضا.
قمة "الناتو" في لندن لم تحقق شيئا يذكر على ساحة الحلف. بالطبع الجميع قدم التعهدات، لكن الجميع أيضا وجد أن من الضروري الانتظار بعض الوقت من أجل اتخاذ مواقف حاسمة حيال مستقبل "الحلف الأطلسي" نفسه. فهناك انتخابات في بريطانيا لا أحد يعرف إلى أين ستصل، وفي العام المقبل تستحق الانتخابات الأمريكية. يضاف إلى ذلك "المصيبة" المتواصلة لمسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي" بريكست". ولا يمكن تجاهل أن مواقف الرئيس ترمب قللت عدد أصدقائه في "الناتو"، وسادت على الساحة حتى إن الحلف وضع قضايا أعداء الحلف على الهامش.

إنشرها