الموازنة العامة للدولة .. النمو مع ضبط الإنفاق

|


الموازنة العامة للدولة تعبر عن خطتها المالية لعام مقبل، لكنها ليست مجرد خطة عادية، بل خطة ذات قوة نظامية، فمجرد أن تصدر عن مجلس الوزراء فإن تنفيذها يعد واجبا، وعند التنفيذ فإن المالية العامة تفصل تماما بين الإيرادات والمصروفات، فسيتم الصرف بغض النظر عن حالة الإيرادات وتوافرها (طالما كل شيء في مساره المخطط له)، فليس هناك من مبرر، لأن تنتظر المشاريع توافر الإيرادات الكافية لها، بل المهم هو توافر السيولة المالية الكافية في الاقتصاد، والسيولة هنا لا ترتبط بالإيرادات فقط، بل بقدرة الاقتصاد على إيجاد تدفقات نقدية، وهنا يأتي التمويل من مصادر شتى بخلاف الإيرادات من بينها الصكوك والسندات قصيرة الأجل، والودائع قصيرة الأجل، وكذلك الاحتياطيات العامة، لكن لا يمكن لاقتصاد أن يحقق هذه القدرة على إيجاد تمويل بديل ما لم يكن هناك ثقة في الاقتصاد والمالية العامة والتدفقات التي ستأتي من الإيرادات في موعدها، هذه الثقة هي مشروع بذاته يجب أن يتم بناؤه بحرص، فالموازنة مشروع للثقة في الاقتصاد بدقة بياناتها ودقة تنبؤاتها، كما أنها مصدر للثقة (وهنا قاعدة عامة) ألا يتم الصرف على سنة إلا من خلال إنتاج تلك السنة، هذه القاعدة مهمة جدا، فهي التي تحدد لنا مستويات المصروفات ومستويات العجز وقدرتنا على التمويل، فإذا كان الإنتاج المحلي للأمة معروفا ومحسوبا بدقة فإن مستوى العجز (الفرق بين المصروفات والإيرادات) في مقابل الناتج المحلي سيترتب عليه كثير من القرارات التمويلية المهمة. ولهذا عندما يتم الإعلان عن الموازنة العامة للدولة، فإننا جميعا نترقب هذه المعلومات لنتخذ كثيرا من القرارات المهمة على كل الأصعدة.
بالأمس صدر قرار مجلس الوزراء برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز باعتماد بيان الميزانية العامة وقد وضع له عنوان مهم هو "كفاءة الإنفاق وتمكين القطاع الخاص"، وهذا الاتجاه ذاته الذي مضت عليه المملكة منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 ونحن ماضون عليه بعزم، ومن الملاحظ أن أرقام الميزانية العامة تؤكد قدرتنا على المضي قدما في هذا المسار، فالنمو الاقتصادي يجد عزمه من خلال الاستمرار في دعم النمو من خلال الإنفاق الحكومي، حيث بلغت المصروفات المعتمدة (1020 مليـار ريـال) وهي لم تزل أرقاما قياسية مقارنة بأعوام مضت، وهذه المصروفات سيتم تمويلها من خلال إيرادات المالية العامة المتوقعة والمقدرة بـ(833 مليار ريال)، وهناك عجز متوقع بقيمة (187 مليار ريال) سيتم تمويله في حينه من خلال الأدوات المالية التي تنتظرها الأسواق المالية بشغف وهي الصكوك والسندات، التي استطعنا خلال الأعوام الماضية من الفوز بحصة جيدة في هذه السوق.
من المهم الإشارة إلى أن أرقام الميزانية العامة للعام المالي 2019، تقدم دليلا على ضبط الإنفاق مع بلوغ المصروفات مستويات أقل مما كان متوقعا في الموازنة لكن مع نمو واضح في الإيرادات بنسبة 1.2 في المائة، وقد جاء هذا النمو من الايرادات غير النفطية التي حققت نموا يتجاوز 6 في المائة، على الرغم من تراجع الإيرادات غير النفطية 1.5 في المائة، وهذا هو ما كان يتم التخطيط له، لكن من المهم التأكيد أن هذا النمو لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة كفاءة الإنفاق الذي تم في الأعوام السابقة، وهنا نؤكد عليه بأنه كلما تحسنت كفاءة الإنفاق والصرف في المالية العامة تحسنت قدرة الاقتصاد على النمو وبالتالي تتحسن قدرة المالية العامة على جني مزيد من الإيرادات غير النفطية التي تقوم لاحقا بإعادة ضخها إلى الاقتصاد من خلال نماذج مختلفة من الإنفاق الرأسمالية على المشاريع التي تحفز القطاع الخاص وأيضا مواصلة دعم الأسر من خلال حساب المواطن وحساب غلاء المعيشة التي نصت القرارات على استمرار العمل به للعام المقبل، رغم تعاظم المصروفات تبعا لذلك، إلا أنه التوجه اليوم بطريقة تضم تحقيق الشعار الأساس وهو دعم القطاع الخاص القادر على دعم النشاط الاقتصادي ومن ثم إكمال دورة الأعمال، وهذا يجد دليله مع نمو الإيرادات الضريبية التي لا يمكن أن تحقق هذه النمو ما لم يكن النشاط الاقتصادي في حالة جيدة، كما أن الزكاة زادت أيضا بمعدلات غير مسبوقة وهذا يقدم دليلا آخر للنمو الاقتصادي الإيجابي، وهكذا فإن كفاءة الإنفاق ودعم القطاع الخاص كلاهما يعملان معا في تزامن وتكامل من أجل تمكين القطاع الخاص من لعب دور أكبر في العام المقبل ولهذا فإنه معول عليه كثيرا بشأن المساهمة في حل مشكلة البطالة، ودعم التوظيف بدلا من القطاع الحكومي.

إنشرها