توطين صناعة النفط بين الإنسان والآلة «3»

|


عودا على بدء، ذكرت في المقالين السابقين أن "رؤية المملكة" الطموحة اهتمت بصورة قوية بالمحتوى المحلي وتوطين الصناعات في كثير من القطاعات ومنها بلا شك قطاع النفط والغاز الذي يعد عصب اقتصادها. وضحت اللبس لدى البعض حول العلاقة بين التحرر من النفط ونمو صناعة النفط ومستقبلها، وأن التحرر من النفط لا يعني انكماش صناعته. ذكرت أن صناعة النفط بأقسامها الرئيسة الثلاثة وهي صناعة المنبع، وصناعة المصب، والصناعة الوسيطة التي بينهما يمكن تقسيمها إلى صناعات مشاعة المعرفة، وصناعات غير مشاعة المعرفة، وسلطت الضوء في المقالين السابقين على هذين النوعين، وكيف يمكن الاستفادة منهما، وما العقبات التي تواجه توطينهما توطينا حقيقيا؟ توطين الصناعات المرتبطة ببراءات اختراع ليس بالأمر السهل، وقد فندت الأسباب التي قادتني لهذه النتيجة، فتوطين هذا النوع من الصناعة بسبب ارتباطه ببراءات اختراع توطينا كاملا لا يمكن تحقيقه من وجهة نظر شخصية، فليس من المنطق أن تتخلى الشركات المالكة لهذه التقنيات غير المشاعة لأي جهة أخرى سواء كانت شركات وطنية أو غيرها، وتتخلى بنفسها عن ميزتها التنافسية وتقدمها للمنافس على طبق من ذهب.
التوطين ليس حكرا على الآلة، فتوطين المهن مهم أيضا وهو أحد أوجه التوطين في قطاع النفط حيث أرى -من وجهة نظر شخصية- أنه ثلاثة أوجه لا رابع لهم، وهي: توطين المهن، وتوطين الخدمات، وتوطين الصناعة. هذه الأوجه قد تأتي فرادى، وقد تأتي بالترتيب، ابتداء من توطين المهنة، ثم توطين الخدمة، وأخيرا توطين الصناعة، وقد لا تتقيد بالترتيب. ولست أبالغ أبدا عندما أقول إن الكوادر الوطنية في هذه الصناعة كوادر مؤهلة واحترافية يشار إليها بالبنان في جميع المهن المتعلقة بهذا القطاع بلا استثناء، ومن باب الإنصاف وإحقاقا للحق، فإن للشركات العالمية الكبرى العاملة في المملكة في مجال خدمات حقول النفط والغاز دورا كبيرا في تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية، ونقل المعرفة لهم بدعم وتوجيه من "أرامكو السعودية".
أنا مؤمن إيمانا كاملا بأن توطين المهن لم يعد معضلة من حيث الكيف، فكما ذكرت أن الكوادر الوطنية أثبتت نجاحها وقدرتها على شغل أي منصب أو تأدية أي مهمة في هذا القطاع، وعليه أعتقد أن رفع نسبة توطين المهن في هذا القطاع قابلة للزيادة، وهي تشمل المهندسين والفنيين والمشغلين، إضافة إلى المهن الإدارية. الجدير بالذكر أن برنامج "اكتفاء" الذي أطلقته "أرامكو السعودية" لم يغفل هذا الجانب، وسنقطف ثماره الإيجابية قريبا -بإذن الله- وأرجو ألا يغفل جانب تمكين الكوادر الوطنية ليصبحوا قادة في هذا القطاع، والضغط على الشركات التي تعمل تحت مظلة "أرامكو السعودية" لتحقيق هذا الهدف، وإيجاد مؤشرات قادرة على قياس فعالية خطة التوطين والتمكين للكوادر الوطنية، فكما قيل: "ما لا يمكن قياسه لا يمكن تطويره". ختاما لهذه السلسلة عن توطين صناعة النفط بأوجهها المختلفة، أعتقد أننا حققنا نجاحا باهرا في توطين المهن وكذلك توطين الخدمات المباشرة وغير المباشرة في هذه الصناعة، لكن نحتاج إلى مزيد من العمل والتحفيز لتوطين الصناعة توطينا حقيقيا وهذا مشروع وطني يتطلب تكاتف جميع الجهات ذات العلاقة وكلي تفاؤل بتحقيق ذلك.

إنشرها