العلامة التجارية للدولة

|

مع أهمية "علم التسويق" لقطاع الأعمال وغيره، إلا أنه لم يستهوني للدراسة أو البحث، لكن مع تنامي أهمية الاقتصاد غير الملموس، لفت نظري مقال عن العلامات التجارية للدول، التي تتنافس في جذب السياح والاستثمارات الأجنبية. ولعلها هنا تدخل تحت منظومة القوى الناعمة، التي يمكن تحويلها إلى مصلحة اقتصادية. هناك منافسة بين الدول سياحيا واستثماريا، يذكر المقال ثلاث دول في ثلاث قارات مختلفة مرت بظروف استثنائية أمنية وسياسية، وبالتالي اقتصادية، لكنها استطاعت خلال أعوام قليلة جذب أعداد مؤثرة من السياح. الأولى كولومبيا، ففي 2017 استقبلت أكثر من ثلاثة ملايين سائح. والثانية كرواتيا، التي زارها نحو 20 مليونا في 2018. والثالثة رواندا، التي وصل إليها 1.5 مليون في 2017. في ظل هذه النجاحات يقدم خبراء السفر عدة نصائح عملية لإعادة تغيير الانطباع الذهني عن الدولة.
الأولى، لا تهرب من ماضيك، فلا أحد يعرف رواندا دون أحداث 1994 الشنيعة، وتعاملت رواندا مع الأحداث بالعمل والقول، القول إن البلاد ليست حادثة واحدة، إنما تجربة إنسانية أمكن التغلب عليها بالانضباط والتعلم، والعمل على إظهار الوطنية من خلال السلم العام والنظافة والحد من الفساد. الثانية، إمكانية توظيف بعض جوانب المخاطر إيجابيا، فمثلا تستخدم الانطباع حول المخاطر بشعار إعلامي بعد أن يرى المشاهد بعض جوانب من الطبيعة، مثل الجبال والأودية السحيقة والشواطئ الجميلة. الثالثة، تسهيل الطيران، فأحد المصاعب التي واجهت كرواتيا أن الوصول إلى الدولة كان في أغلبه غير مباشر من خلال إيطاليا ودول مجاورة، لذلك بدأت كرواتيا تسهيل الطيران من خلال الرسوم والربط مع المحطات العالمية، مثل فرانكفورت. الرابعة، استقر على شعار كرمز جاذب، فليس كل الدول عندها برج إيفل أو الأهرامات، ففي كولومبيا، أصبحت الطيور وتنوعها شعارا جديدا، في رواندا أصبحت الغوريلا شعارا جاذبا. الخامسة، استمر في الحملة التسويقية، فكولومبيا استغلت اسم أديبها الشهير جابرييل جارسيا، الذي فاز بجائزة نوبل للأدب، وتم ذلك بمزيج مع موسيقى خاصة. وكرواتيا، وظفت أسماء مشاهير فريقها الوطني لكرة القدم. السادسة، لا تنس توظيف المؤثرين، فممثلة أسترالية ساعدت رواندا بزيارتها الغابات، وكتابة "زوروا رواندا" على ملابس لاعبي فريق الآرسنال.
السياحة أحد مستهدفات "الرؤية" وتنويع مصادر الدخل، لذلك قد نحتاج إلى هذه النصائح بشرط أن نصل إلى تعريف ومحددات لكل نصيحة بدقة لكي تكون الرسالة واضحة وجاذبة وقابلة للاستدامة عمليا، فلدى المملكة مقومات معتبرة، خاصة في ميدان القوة الناعمة، لم تستغل حتى الآن على الرغم من التوجهات الصحية الجديدة. والمملكة في وضع أسهل من هذه الدول، ولديها مقومات مختلفة تلتقي في بعض وتختلف في أخرى، كما كل الدول. تجربتنا السياحية حتى إلى حد أقل استثمارية نسبيا جديدة، لذلك لا بد من عصف ذهني للعقول السعودية لكي نتمكن من إخراج "علامة تجارية"، ولعل أفضل طريقة أن تستعين "هيئة الترفيه" و"السياحة"، بفرق مختلفة مستقلة من السعوديين فقط دون شركات استشارية، من خلال ورش عمل، ثم تدخل في عصف ذهني بينهم للوصول إلى أفضل المخرجات والنتائج في إجماع رصين ومدروس. نحن في منافسة ولدينا فرصة للفوز بحصة من الأسواق، مقارنة بالدول الأخرى. أول عناصر المكسب المستدام تأتي في أصالة الرسالة، ولعل العلامة التجارية أول خطوة عملية.

إنشرها