توطين صناعة النفط بين الإنسان والآلة «2»

|

عودا على بدء، ذكرت في المقال السابق أن "رؤية المملكة" الطموحة اهتمت بصورة قوية بالمحتوى المحلي وتوطين الصناعات في كثير من القطاعات ومنها بلا شك قطاع النفط والغاز الذي يعد عصب اقتصادها. وضحت اللبس لدى البعض حول العلاقة بين التحرر من النفط وبين نمو صناعة النفط ومستقبلها، وأن التحرر من النفط لا يعني انكماش صناعته.
صناعة النفط بأقسامها الرئيسة الثلاثة وهي صناعة المنبع، وصناعة المصب، والصناعة الوسيطة التي بينهما يمكن تقسيمها إلى صناعات مشاعة المعرفة، وصناعات غير مشاعة المعرفة، وقد سلطت الضوء في المقال السابق على النوع الأول من هذه الصناعات وهي الصناعات مشاعة المعرفة التي لا ترتبط ببراءات اختراع وكيفية الاستفادة منها، وما العقبات التي تواجه استقرارها وديمومتها. النوع الثاني فيما يخص توطين صناعة النفط هو الصناعات غير مشاعة المعرفة، وهي تلك الصناعات المعقدة لبعض الأجهزة والمعدات والتقنيات النفطية خصوصا المستخدمة في التنقيب عن النفط أو حفر آباره أو ضبط إنتاجه وغيرها من المعدات والأجهزة الكثيرة المستخدمة في صناعة المنبع وصناعة المصب وما بينهما.
توطين هذا النوع من الصناعة بسبب ارتباطه ببراءات اختراع توطينا كاملا لا يمكن تحقيقه من وجهة نظر شخصية، فليس من المنطق أن تتخلى الشركات المالكة لهذه التقنيات غير المشاعة لأي جهة أخرى سواء كانت شركات وطنية أو غيرها. السبب في ذلك أن هذا النوع من التقنيات أو المعدات يمنح مالكه ميزة تنافسية قوية تنعكس على حصته السوقية وبالتالي أرباحه في أي منطقة جغرافية يعمل بها. فأن تتنازل هذه الشركات عن هكذا تقنيات أو معدات، هذا يعني أنها توجد منافسين لها في هذا المجال، بل تمكنهم من الاستحواذ على حصتها السوقية ما قد يؤدي إلى تراجع أرباحها ومن ثم انكماشها وانكماش أنشطتها وهذا خطأ استراتيجي بدهي لا أعتقد أن الوقوع فيه مستساغ أو يمكن حدوثه! أرى أن التعامل مع هكذا صناعات غير مشاعة المعرفة لتحقيق توطين حقيقي لها ينطلق من مراكز وطنية قوية للأبحاث والتطوير. تتسم هذه المراكز بالديناميكية في استقطاب أفكار من عملوا في هذا القطاع وسبروا أغواره، وترجمتها إلى براءات اختراع منافسة تقنيا ومجدية اقتصاديا، لا براءات اختراع تبقى على رفوف المنافس الذي قد يشتري هذه البراءات لتحييدها كي لا تؤثر في حصته السوقية.
أجزم أن كثيرا من الكوادر الوطنية الذين عاشوا بين آبار النفط والمنشآت النفطية الأخرى وجدُّوا اكتشفوا خلال رحلتهم العملية مواطن ضعف في العمليات التشغيلية أو التقنيات المستخدمة ولديهم حلول مجدية لها، يمكن ترجمة هذه الأفكار والحلول إذا ما وجدوا الدعم المناسب إلى صناعات وطنية تنافس محليا وخارجيا. كما أن الدخول في شراكات مع شركات عالمية رائدة تمتلك تقنيات غير مشاعة المعرفة مرتبطة ببراءات اختراع هي إحدى الاستراتيجيات المهمة لتوطين هذه الصناعات على المديين المتوسط والبعيد، حيث إن محاكاة هذا النوع من الشركات واحتكاك الكوادر الوطنية مع أرباب هذه التقنيات سيخرج من رحمه مستقبلا شركات وطنية قادرة على توطين بعض الصناعات المعقدة ولو على نطاق ضيق بداية.

إنشرها