«أرامكو» ومتلازمة سوق الأسهم

|

من المفترض مع صدور هذا المقال أن يكون اكتتاب شركة أرامكو قد انتهى للأفراد، وبقيت المراحل التالية التي ستتضمن تحديد سعر الاكتتاب النهائي ومن ثم الإدراج في السوق وبدء التداول، وقبل الحديث عن موضوع المقال فقد أدهشني حين سمعت أن البعض يستغرب أن تكون العوائد على سهم "أرامكو" مضمونة، بل يذهب البعض في هذا مذاهب، لكن من يعرف المحاسبة ومسألة الاعتراف بالدخل يدرك معنى السلع "مضمونة البيع" وأثرها في الأرباح، حيث تصبح الأرباح معترفا بها بمجرد تحديد الكميات المتاحة للبيع أو بمجرد توقيع العقود وفي هذا مبادئ ومعايير معترف بها دوليا وتطبقها "أرامكو"، ومن يعرف سلعة النفط يدرك أنها سلعة مضمونة البيع، ولا شك في تحقيق الأرباح مع الأسعار المحددة والمعلنة عالميا، التي يتم توقيع العقود بناء عليها، ولو كانت العقود مستقبلية التسليم، ولهذا فإن مجرد اكتشاف حقول النفط وتحديد كمياتها يعد تحقيقا للأرباح، فمن ذا الذي لا يشتري النفط؟ ولهذا فإن تحديد سعر "أرامكو" عند 32 ريالا وبمعدلات عائد تتجاوز 4 في المائة هو أشبه بصك مضمون، وإذا كانت العوائد السائدة أقل من 3 في المائة فإن سهم "أرامكو" يصبح كنزا لا يمكن التفريط فيه.
لن أكرر الحديث حول اكتتاب "أرامكو" وأهميته للسوق المالية، لكن سأناقش احتمالات حركة السوق المالية بعد هذا الحدث الكبير، فهل ستبقى السوق على وضعها الحالي من حيث السيولة أو المؤشرات وحركتها؟ سأقسم التوقعات إلى مؤكدة الحدوث واحتمالية الحدوث. في جانب تلك الأحداث المؤكدة فإن الواضح هو عودة عدد كبير من المحافظ الصغيرة إلى السوق، وهي محافظ الأفراد حيث قدر عدد المكتتبين حتى كتابة هذا المقال بأكثر من ثلاثة ملايين مكتتب ومن المتوقع أن يصل إلى أربعة ملايين، وهذا خلاف المؤسسات والشركات والصناديق، والأمر المؤكد الآخر هو دخول سيولة هائلة للسوق تتجاوز 90 مليار ريال كما أن الأفراد وحدهم سيضخون ما يزيد على 30 مليارا، وهذه السيولة حقيقية ليست مجرد أرقام إلكترونية أو مؤشرات التداول، والأمر المؤكد الثالث أن جميع صناديق المؤشرات ستقوم بتعديل هيكل الصندوق من أجل إضافة نسبة تعادل نسبة "أرامكو" في مؤشر السوق وهذا يتطلب منهم زيادة عدد الأسهم في المؤشر، ما قد يستدعي شراء الأسهم من المتداولين بعد الإدراج، وبغض النظر عن أي قضايا أخرى فالأمر المؤكد أن السوق ستتأثر إيجابيا بإدراج سهم "أرامكو" من حيث حجم وكمية السيولة التي سيتم التعال بها في السوق وهذا من أفضل الأخبار التي تريدها السوق، ذلك أنها تعد بكثير.
والآن لنأت على الاحتمالات، وأقرب هذه الاحتمالات تأكيدا هو حدوث ما أسميه متلازمة سوق الأسهم، وهي أن كل من دخل السوق بسيولة ومحفظة حقيقية فإنه لا يغادرها بسهولة، بل يبقى في التداول لأنه يرغب في قياس نتيجة قرارته وتصحيحها، سواء بالبيع أو الشراء، فمن دخل إلى السوق من خلال اكتتاب "أرامكو" سيكون مراقبا لحركة السوق لاتخاذ قرار بالبيع أو الشراء، وهذا يجعل أكثر من أربعة ملايين شخص يراقبون السوق المالية بعد إدراج السهم، كما أنهم لن يغادروا السوق بمجرد اتخاذ القرار بالبيع أو الشراء بل سيبقوا لمراقبة نتيجة القرار فإذا كان القرار بالبيع فإنه يراقب حركة السهم ليعرف اتجاهه هل استمر في الصعود أم تراجع؟ إذا استمر في الصعود فإنه غالبا يراقب أي ارتداد للدخول مرة أخرى للحصول على السهم من أجل تحقيق عودة للسهم مع احتفاظه بالربح الذي تحقق له، وإذا كان قراره السابق بالشراء فإنه ينتظر لحظة الفوز بالمكاسب الرأسمالية، وهذه القرارات في مجملها تبشر بحركة واسعة للسوق المالية، فإذا أضفت إلى كل هذا أن تعديلات هيئة السوق المالية للمقاصة من يوم إلى يومين تعني أن قدرة المضاربين على الخروج من السوق ستتضاءل وهو ما يساعدهم على التبصر أكثر في اتجاهات السوق والعودة للدخول في السهم، أو محاولة الفوز بالأسهم الكثيرة في السوق وأصبحت عن مكررات ربحية مناسبة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن السوق المالية تنتعش بشكل كبير مع دخول شركات عملاقة وهذا حدث في الماضي مع دخول شركة سابك، وحدث مع دخول شركة الاتصالات و"موبايلي" و"ينساب" و"إعمار"، وكل هذه الشركات أقل في الوزن والقوة من شركة أرامكو، لذا فإن الاحتمالات ترشح عودة هائلة للسوق المالية عقب إدراج شركة أرامكو، خاصة أنها تتداول عند مستويات عوائد أفضل بكثير من كل المنافذ الاستثمارية الحالية وعلى رأسها العقار، فمن يعرف الوضع العقاري يدرك أن العوائد تتراجع باستمرار خاصة المنافذ العقارية التجارية، وهذا يجعل سوق الأسهم بكل العوائد المتاحة فيها الآن أفضل بكثير من أي منفذ قائم حاليا، كما أن السوق أصبحت متنوعة بشكل كبير والشركات متنوعة الأسعار والتداول أسهل.

إنشرها