تحديات التعليم العالي العالمي السبعة

|

على مدى الزمن، بات التعليم، في مختلف أنحاء العالم، يحمل كثيرا من الصفات المشتركة المتفق عليها دوليا. ولعل أبرز ما يعبر عن ذلك هو نظام "منظمة اليونسكو UNESCO"، المعروف بـ"النظام المعياري الدولي لتصنيف التعليم ISCED". هناك في هذا النظام تسعة مستويات للتعليم، تبدأ بالمستوى التمهيدي الذي يعبر عنه بالمستوى "صفر"، للإشارة إلى أنه يسبق التعليم العام النظامي. يلي هذا المستوى ثلاثة مستويات، هي مستويات التعليم العام "الابتدائي والمتوسط والثانوي"، التي يبلغ عدد أعوام الدراسة فيها "12 عاما"؛ يليها مستوى رابع يشمل دورات دراسية مهنية محدودة زمنيا تؤهل خريجي التعليم العام لسوق العمل.
يبدأ التعليم العالي بالمستوى الخامس، الذي يرتبط بالدرجة التي تعرف بـ"الدرجة المساعدة Associate Degree"، ومدتها عامان بعد التعليم العام، وربما تزيد عاما آخر؛ وهذه هي الدرجة التي تمنحها كليات المجتمع، ومؤسسات التعليم والتدريب المهني، إضافة إلى بعض الجامعات. وفي المستوى السادس تأتي درجة "البكالوريوس Bachelor Degree"، التي تمنحها الجامعات وبعض المعاهد والكليات، ومدتها أربعة أعوام بعد التعليم العام أيضا، تزيد عاما آخر أو أكثر في بعض التخصصات. وفي المستويين السادس والسابع، تأتي درجتا ما بعد البكالوريوس، وهما: درجة "الماجستير Master"، ومدتها عامان؛ ثم "الدكتوراه Doctorate"، وتراوح مدتها بين ثلاثة إلى خمسة أعوام.
تعمل "مؤسسات التعليم العالي" حول العالم في إطار تصنيف "اليونسكو" المعياري من المستوى "الخامس" حتى "الثامن". لكن هذه المؤسسات تواجه حاليا تحديات كبيرة تحتاج إلى اهتمام يتناسب مع أهميتها، خصوصا من منطلق أن التعليم العالي يقود المعرفة ومعطيات الإبداع والابتكار المرتبطة بها، ليسهم من خلال ذلك في تفعيل التنمية وتعزيز استدامتها. ونتيجة هذه التحديات، دعت "وثيقة مفتوحة White Paper" صادرة عن "المنتدى الاقتصادي الدولي WEF" في يناير عام 2017، إلى "الانفتاح على الابتكار في التعليم"، بمعنى الخروج من "صندوق شؤون التعليم"، بوضعه الراهن، وما تراكم فيه من أنظمة باتت كأنها مسلمات غير قابلة للنقاش والتطوير.
يوجه هذا المقال، فيما سيأتي، الانتباه إلى "سبعة تحديات" رئيسة يواجهها التعليم العالي على مستوى العالم؛ وتحتاج هذه التحديات إلى الابتكار في إيجاد الحلول المناسبة لمواجهتها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التحديات ليست منفصلة عن بعضها بعضا، بل متشابكة، أي أنها تحتاج إلى حلول متكاملة.
"التحدي الأول"، هو التحدي الخاص بالعلاقة بين "التعليم العالي" من جهة، و"سوق العمل" من جهة أخرى. صحيح أن التعليم العالي يتطلع إلى الارتقاء بالإنسان ومعارفه وثقافته وسلوكه الاجتماعي، إلا أنه يتطلع أيضا إلى تأهيل الإنسان مهنيا لعمل يستطيع من خلاله تأمين دخل مادي يمكنه من حياة كريمة تعزز ارتقاءه المعرفي. على ذلك، فإن التوافق بين "ما يقدمه التعليم العالي" و"ما تحتاج إليه سوق العمل" تحد يحتاج إلى حلول سليمة في شتى المجالات المهنية. ويبرز في هذا المجال "تحد ثان" هو تحدي التنبه إلى أن بعض الوظائف في سوق العمل تتطلب "تأهيلا في أكثر من مجال". فليس لمثل هذه الوظائف خريجون قادرون على الإحاطة بمجالاتها المطلوبة، حتى إن لم يكن العمق في هذه المجالات مطلوبا.
ويرتبط "التحدي الثالث" "بتكاليف التعليم العالي" التي تأخذ طريقها إلى التزايد في مختلف أنحاء العالم. ومن دلائل ذلك، الارتفاع المتزايد في رسوم التعليم الجامعي الذي بات عبئا على الطلاب الطامحين إلى الدراسة الجامعية في كثير من الدول. يضاف إلى ذلك، أن هذا الارتفاع يؤدي في أحيان كثيرة إلى عمل الطلاب وعدم تفرغهم للدراسة وضعف أدائهم، بل تركهم للدراسة قبل إتمامها في بعض الحالات. وهنا يبرز "التحدي الرابع"، وهو طول فترة الدراسة لنيل الدرجة الجامعية، "أربعة أعوام أو أكثر" للبكالوريوس، وكذلك للدكتوراه. فقد يضطر الطالب لترك الدراسة قبل تخرجه بعام واحد مثلا، وبذلك يكون قد أضاع الدرجة، رغم أنه أمضى بنجاح ثلاثة أرباع المدة والجهد المطلوبين.
ويرتبط "التحدي الخامس" بمحدودية الرغبة الشخصية في التوجه نحو برامج "الدرجة المساعدة" الأدنى من البكالوريوس، خصوصا لدى أولئك المتميزين دراسيا، على الرغم من أن التخصصات الفنية في هذه البرامج غالبا ما تكون أقرب إلى متطلبات سوق العمل. ولعل العامل الاجتماعي الخاص بمكانة الحاصلين على هذه الدرجة، بين أهم أسباب هذه المحدودية، لأن صاحب هذه الدرجة قد لا ينظر إليه اجتماعيا بمستوى النظرة ذاته إلى خريج البكالوريوس، على الرغم من أهمية عمله. ونأتي إلى "التحدي السادس"، وهو ذاك المرتبط "بالتطور التقني والتوسع المعرفي" الذي يشهده العالم، حيث يحتاج الإنسان المؤهل إلى متابعة معرفية مستمرة للمستجدات، ويعرف ذلك بالحاجة إلى "التعلم مدى الحياةLife Long Learning: LLL" الذي يفترض بمؤسسات التعليم العالي، عبر متابعتها المعرفية، أن تكون مصدرا له.
ونصل إلى التحدي السابع، وهو تحدي "الاستفادة من التحول الرقمي" وتقنياته الحديثة والمتجددة في العمل على مواجهة التحديات الستة سابقة الذكر والسعي إلى ابتكار الحلول المناسبة لها، إضافة إلى توسيع دائرة المستفيدين من التعليم العالي على مستوى العالم من جهة، وتحقيق فاعلية أكبر وكفاءة أعلى لهذا التعليم ليس معرفيا وأكاديميا فقط، بل أداء إداريا أيضا. ولعله من المناسب الإشارة إلى وجود تحديات أخرى مختلفة للتعليم العالي، سواء على مستوى العالم، أو على مستوى دوله المختلفة.
علينا الاهتمام بمواجهة تحديات التعليم العالي وطرح الحلول الملائمة لها على المستويين المحلي والعالمي. وقد نستطيع ذلك عبر "شراكة معرفية" يسهم فيها الخبراء والمهتمون، ربما عبر مؤتمر عام يجمعهم. ولعلنا نطرح في ختام هذا المقال عناوين لتوجهات رئيسة محتملة للحلول الممكنة، على أن نقوم بمناقشتها في المقال القادم، بمشيئة الله. وتشمل هذه التوجهات: "تقسيم برامج التعليم العالي إلى وحدات متخصصة؛ والتعاون مع قطاعات الأعمال في وضع مناهج بعض هذه الوحدات؛ والشراكة في بعض هذه الوحدات بين مؤسسات التعليم العالي، محليا ودوليا"؛ إضافة إلى معطيات أخرى قد يكون فيها بعض الفائدة أيضا.

إنشرها