المركز الوطني لمكافحة الاحتيال

|

حكى لي أحد الأصدقاء قصة امرأة قالت إنها اشترت أسهم شركة أرامكو وذلك في فترة سابقة لموعد طرحها وإنه سألها كيف اكتتبت في الشركة قبل الطرح الرسمي؟! قالت تواصلت معي إحدى الشركات لتسويق أسهم الشركة وإنها اشترت منها الأسهم وحولت لها مبلغ 200 ألف ريال! مع الأسف هذه القصة ليست إلا حالة ومثالا لعمليات النصب المالي التي حدثت ومستمرة في الحدوث يوميا.
النصب والاحتيال المالي يتطور بشكل كبير ومتناسق مع التقنية والتشريعات محاولا الصمود والعيش مع التغيرات التي تحاول القضاء عليه مثله مثل الفيروس، كلما اكتشف علاج له قام بتطوير نفسه لمقاومته، لذلك المحتالون يبتكرون دائما أساليب متجددة للإيقاع بضحاياهم لكن هنالك دائما نقطتين يعتمد على إحداهما أو كلتيهما المحتالون وهما:
1 - الجهل، بكل تأكيد استغلال جهل المتلقي أكبر مساعد للمحتال لتمرير خدعته التي قد يكون ظاهرها عاديا أو قانونيا لكن الجهل بالآليات والأدوات يساعد المحتال على تنفيذ خطته، كمثال اكتتاب "أرامكو" يعد حدثا معلنا وقانونيا لكن الجهل بتفاصيله وطريقته لدى البعض يجعلهم عرضة للاحتيال، وهذا النوع سيكون حاضرا دوما وبشكل مستمر مع الأسف وذلك بسبب الجهل لدى كثيرين حول تفاصيل وطريقة الاستثمارات والتفريق بين المحتال والقانوني، وحل هذه المعضلة يكون بزيادة الوعي للمجتمع قدر الإمكان.
2 - الطمع، هذه الغريزة إحدى أقوى أدوات المحتالين لتنفيذ احتيالاتهم لمعرفتهم بوجودها، ولذلك تجدهم يغرون ضحاياهم بالأرباح العالية التي تفوق متوسط الأرباح للاستثمارات المماثلة، وفي فترة قصيرة "في الأغلب"، لذلك يتهور كثيرون طمعا في هذه الأرباح العالية والسريعة بزعمهم، والحالات كثيرة جدا لهذا الوضع، من المساهمات الوهمية ومساهمات بطاقات سوا وصولا إلى الاستثمارات والمضاربة في الفوركس والعملات التي ما زالت إلى هذا اليوم تستدرج كثيرين مع الأسف.
هذه الاحتيالات تتم إما بالاستيلاء على الأموال مباشرة والاختفاء نهائيا بعدها كما يحدث مع شركات الفوركس الوهمية وإما بطريقة "بونزي" التي تعتمد على استقطاب ضحايا بشكل مستمر كي يتم استمرارها وهي تقوم في نهاية الأمر بنقل الأموال من شخص إلى آخر معتمدة على قدرتها على استقطاب مزيد حتى تنكشف العملية في نهاية الأمر.
إن حجم الأموال التي تقع ضحية الاحتيال المالي غير واضح بالنسبة لي وإن كنت أقدره شخصيا بمئات الملايين من الريالات سنويا وهي مبالغ ليست بالسهلة بكل تأكيد، والأهم أنها تؤخذ من أسر وأشخاص بسطاء يتأثرون بشكل كبير بها، وكل هذه الأموال تذهب خارج الوطن في عملية تستنزف مواردنا، وأعتقد أن أحد جوانب المشكلة هو إحجام كثيرين عن الإفصاح والتبليغ عن عمليات الاحتيال لخجلهم من وقوعهم بسهولة في هذه المصيدة، خصوصا رجال الأعمال. من المهم على الناس الوعي بانتشار محاولات النصب التي أصبحت تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي مثل "تويتر" و"واتساب" وغيرهما برسائل مغرية عن أرباح أو ادعائهم أنهم يعملون بتراخيص وبشكل قانوني، يجب على الشخص التأكد بنفسه من الجهات المختصة حول صحة المعلومات والأهم لا تقم بأي تحويل إلا قبل التأكد من صحة الحسابات وقانونية الشركة وتراخيصها.
طبعا لا بد من ذكر عمليات النصب التي تعتمد على الاختراق الإلكتروني للبيانات والتي انتشرت في الفترة الماضية عبر إرسال رسائل إلى هواتف الناس مدعية أنها من البنك تطلب إما تحديث بيانات وإما فك حظر البطاقة عبر الضغط على رابط يتيح للمحتال الدخول إلى بيانات جوالك أو أن يطلب منك إدخال بياناتك الشخصية في صفحة هو صممها كي يتم الاستيلاء على الحساب البنكي، بل انتشرت أخيرا ظاهرة إنشاء حسابات على «تويتر» تتقمص شخصيات أو حسابات معروفة لأناس معروفين تقوم بطلب من أصدقاء هذه الشخصية الانضمام إلى مجموعة "واتساب" كي يتم بعدها إما طلب أموال اعتمادا على ثقة هؤلاء الناس بهذه الشخصية وإما بإرسال روابط تقوم بتهكير أو اختراق بيانات الأصدقاء وهذه المحاولة وقعت لأصدقاء لي بل وقعت لي شخصيا بقيام شخص بانتحال شخصيتي.
ختاما لا بد أن نذكر جهود المسؤولين في مؤسسة النقد ولجنة الإعلام والتوعية المصرفية في البنوك السعودية بتوعية الأفراد عبر عدة حملات وتصريحات مستمرة لكن أعتقد أن هنالك فجوة ما زالت موجودة بين عمل اللجنة والجهات المنظمة مثل المؤسسة وهيئة السوق المالية حول مواضيع الاحتيال المالي، ولذلك أقترح عليهم أن يتم إنشاء مركز وطني لمكافحة الاحتيال بمجلس إدارة من عدة جهات وزارية وحكومية مهمته الإشراف والتنظيم لهذه العملية وتعقب الجهات المحتالة ويكون الجهة الرئيسة في الاستفسار والمعلومة حول أي استفسار حول منشأة أو عملية يرغب الفرد التأكد من شرعيتها ونظاميتها، اليوم الأفراد أو المستثمرون حائرون بين مؤسسة النقد والهيئة، حيث لا يفرق كثير منهم بين عمل الجهتين أو إلى أيهما يجب الرجوع، ولذلك أقترح أن يتم توحيد هذه العملية عبر مرجعية واحدة "من ناحية الاستفسارات حول نظاميتها حماية لأموال الأفراد والمستثمرين" لكل العمليات المالية والاستثمارية وأعتقد أن قيام هذه الجهة سيكون دائما مواكبا لحالات الاحتيال بل يحاربها بشكل أسرع، حيث يكون واحدا من أهم أهدافها اكتشاف الجهات المحتالة والعثور عليها، والقيام بالتعاون مع الجهات الحكومية الأخرى بالقضاء عليها.

إنشرها