اليوم العالمي للغتنا الجميلة .. وآفاق المستقبل

|

منح الله تعالى الإنسان "عقلا متميزا" عن باقي مخلوقاته، ومكنه إلى جانب ذلك من "النطق والتعبير" والتواصل مع الآخرين. وهكذا برزت "اللغات"، وظهرت الكتابة، وبات بإمكان الإنسان توثيق الحقائق التي يتم اكتشافها، وتدوين الأفكار التي يجري استنباطها، وتوصيف الأعمال التي يستطيع تنفيذها، وبيان الأحاسيس التي يشعر بها. وسمح هذا الأمر "بالشراكة في هذه المعارف"، ليس فقط في إطار "زمان ومكان" محددين، بل على مدى الزمن، وفي جميع الأماكن. وهكذا كانت اللغة في حياة الإنسان وسيلة رئيسة لتفعيل معطيات العقل البشري وتطوير حياة الإنسان عبر العصور.
لدى العالم الذي نعيش فيه اليوم لغات كثيرة حيث تقول "اليونسكو UNESCO"، إن عددها يصل إلى نحو "سبعة آلاف لغة"، لكن توزع أبناء هذه اللغات بين سكان العالم ليس متساويا. في هذا المجال تبين الإحصائيات الدولية أن بين هذا العدد الكبير من اللغات هناك عشر لغات فقط يمثل أبناؤها أكثر من "40 في المائة" من سكان العالم. وتأتي اللغة العربية "خامسة" بين هذه اللغات، حيث تسبقها كل من لغة "ماندرين الصينية التي تحتل المركز الأول؛ ثم الإسبانية؛ فالإنجليزية؛ وبعد ذلك الهندية". أما اللغات التي تعقب العربية، بين اللغات العشر تبعا لعدد أبنائها فهي "البرتغالية التي تأتي في المركز السادس؛ ثم الروسية؛ فاليابانية؛ والألمانية؛ وأخيرا الفرنسية".
تحتل اللغتان "الإنجليزية والفرنسية"، لأسباب تاريخية، المكانة الأولى في الاستخدام على المستوى الدولي. فعندما تم إنشاء "منظمة الأمم المتحدة UN"، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، استخدمت هاتان اللغتان "كلغات عمل" في هذه المنظمة. وتقول وثائق "اليونسكو": إن "اللغة الإسبانية" أضيفت إلى لغات العمل الدولية عام 1948، وأعقب ذلك إضافة "الروسية" عام 1969، ثم "الصينية" وكذلك "العربية" عام 1973، وكان ذلك في 18 ديسمبر على وجه التحديد. وقد قامت "اليونسكو" عام 2012 بجعل هذا التاريخ "يوما عالميا للغة العربية".
شهدت اللغتان "الإنجليزية والفرنسية" عبر الأعوام تنافسا كبيرا على مستوى العالم. وأخذ هذا التنافس منحى مهما في مصلحة اللغة الإنجليزية مع التوسع في انتشار استخدام تقنيات المعلومات، وبرز ذلك في العقدين الأخيرين من القرن الـ20 وما بعد. ففي عام 1985 حذر فرنسوا ميتران الرئيس الفرنسي ذلك الوقت، من غزو اللغة الإنجليزية للغات العالم وثقافاته عبر هذه التقنيات، وبالذات غزوها للغة الفرنسية وثقافتها، حيث عد هذه التقنيات بمنزلة "حصان طروادة" في هذا الغزو؛ كان ذلك في خطاب له أمام "الأكاديمية الفرنسية" الجهة المسؤولة عن حماية الثقافة الفرنسية. وقد حمل هذا التحذير دعوة إلى تفعيل استخدام اللغة الفرنسية في التعامل مع تقنيات المعلومات، والعمل على البعد في ذلك عن اللغة الإنجليزية. في إطار غزو اللغة الإنجليزية للغات الأخرى حول العالم طرحت "اليونسكو" في إحدى وثائقها حول مسألة "اللغة الأم" في دول العالم، ضرورة منع هذا الغزو، على أساس أنه يؤذي التعدد الثقافي العالمي الذي يشكل ثروة معرفية مشتركة للعالم بأسره، يجب حفظها وحمايتها من الضعف، وربما الاندثار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك "يوما عالميا للغة الأم" سبق في إنشائه "اليوم العالمي للغة العربية". فقد قررت "اليونسكو" عام 1999 جعل "21 فبراير يوما عالميا للغة الأم؛ وبدأ الاحتفال به سنويا في جميع أنحاء العالم عام 2000 وذلك لتعزيز الوعي بالتنوع اللغوي والثقافي وتعدد اللغات.
وهكذا نجد أن "للغتنا الجميلة" يومين سنويين عالميين: يوم عام مشترك مع لغات الشعوب المختلفة هو يوم "اللغة الأم" في 21 فبراير، ويوم خاص بها هو يوم "اللغة العربية" في 18 ديسمبر. وفي كل منهما دعوة إلى الاهتمام بها وبالثقافة التي بنتها عبر الزمن، والإسهام الحضاري الذي قدمته، ناهيك أيضا عن الاهتمام "بآفاق المستقبل" ومتطلباته بشأنها، إضافة إلى تفعيل قدراتها نحو مزيد من العطاء والإسهام في صنع المستقبل. ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى ما تقول به المعايير الدولية "لسعادة الإنسان" التي تحدثنا عنها في مقال سابق، وذلك في جانب دور "الثقافة"، وبالذات في موضوع "اللغة الأم". فطبقا لهذه المعايير، تشمل السعادة قدرة الإنسان على التعبير السليم عما يريد "بلغته الأم"، وعلى "الإسهام المعرفي" عبرها إن استطاع إلى ذلك سبيلا، إضافة إلى قدرته على فهم "الثقافات العالمية الأخرى" واستيعابها. ولا بد "للتعليم" من تأهيل الإنسان بهذه القدرات، ولا بد "لبيئة الحياة والعمل" المحيطة بالإنسان من تمكينه من تفعيل هذه القدرات والعمل بها.
إذا نظرنا من حولنا إلى "بيئة الحياة والعمل" التي تحيط بنا نجد أنها بيئة تتسم بالتطور المستمر والتحول المتسارع في ظل "الثورة الصناعية الرابعة" التي يقودها التطور العلمي والتقني في مجالات مؤثرة. ولعل بين أبرز هذه المجالات مجال "التقنية الرقمية" التي أعطتنا "الإنترنت والعالم السيبراني"؛ وتعطينا "الذكاء الاصطناعي" وتطبيقاته المتزايدة في مختلف شؤون الحياة. ولأن التقنية الرقمية ومعطياتها المختلفة وسائل معلوماتية ترتبط بالمعرفة وتؤدي وظائفها على أساسها، وتتفاعل في ذلك تفاعلا مباشرا مع الإنسان، فإن "للغة" المستخدمة في ذلك أهمية كبيرة.
بناء على ما سبق فإن على اللغات الحية وعلى رأسها "لغتنا العربية الجميلة" أن ترتبط ارتباطا مباشرا بتطور "التقنية الرقمية" عموما وتطور "الذكاء الاصطناعي" بشكل خاص. فهذا الذكاء يتعامل بدرجة من الإدراك والتفاعل مع "المعرفة" وتطبيقاتها"؛ وبالتالي مع "الإنسان". والأمل أن يكون ذلك عبر "لغته الأم". ويضاف إلى ما تقدم حقيقة أن إمكانات هذا الذكاء تتنامى باضطراد لتؤدي أعمالا تتسم "بإدراك متزايد" في مختلف مجالات الحياة. ولعلنا نعود في مقال مقبل إلى طرح هذا الموضوع بمشيئة الله.
لغتنا العربية الجميلة، واسعة المفردات، وافرة الثقافة، حسنة التعبير، متينة الصياغة، ساحرة الإيقاع؛ وهي قبل ذلك لغة "القرآن الكريم". ولا شك أن على أبنائها مسؤولية الاهتمام بها والتفاعل معها، بما يستجيب لتطورات العصر، ويسهم في تحقيق الطموحات.

إنشرها