من واجبنا حماية منتجاتنا الوطنية

|


يطالعنا بين اليوم والآخر عديد من الاتهامات الموجهة ضد الواردات الأجنبية التي تنافس منتجاتنا الوطنية بأخطر الممارسات الضارة مثل الإغراق والدعم والغش والتلاعب بالقيمة ومخالفة المواصفات وغيرها، التي أطلقت عليها منظمة التجارة العالمية صفة الإجرام التجاري. ولا غرابة في ذلك فطبقا لتقارير المنظمات الدولية، تتربع أسواقنا السعودية على المركز الـ18 في مؤشرات القوة الشرائية العالمية، وتحتل المرتبة الـ32 في الواردات السلعية التي فاقت قيمتها في العام الماضي 135 مليار دولار.
هذه الأرقام قد تتفاقم مستقبلا في ظل بوادر تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي الذي سيؤدي إلى تسارع وتيرة انخفاض أسعار المنتجات لتتدافع معظم الدول نحو التخلص من مخزونها التراكمي وتوجيه صادراتها بأقل الأسعار نحو أسواقنا السعودية. لذا من واجبنا حماية منتجاتنا الوطنية والتصدي للممارسات الضارة التي تنتهجها الواردات الأجنبية، خاصة أن النظام التجاري العالمي لم يلزمنا بفتح أسواقنا على مصاريعها، بل شجعنا على حماية منتجاتنا والدفاع عن مصالحنا من خلال صياغة أنظمتنا، النابعة من الاتفاقات الدولية وطالبنا بتطبيق أحكامها المرهونة بجدارة أجهزتنا الحكومية.
ونظرا للتباين المعقد بين هذه الممارسات الضارة المشوهة للتجارة التي تنتهجها صادرات بعض دول المعمورة، قامت منظمة التجارة العالمية بتحديد أنواعها وتوصيف فئاتها وأصدرت أحكامها الصارمة ضمن 28 اتفاقية واضحة المعالم، التزمت بها جميع الدول الأعضاء في المنظمة. ونتيجة لانضمامنا للمنظمة عام 2005، قامت المملكة بإصدار وتعديل 42 نظاما سعوديا، تمشيا مع هذه الاتفاقيات، وأنشأت لها الأجهزة الحكومية المختصة لتطبيقها بحذافيرها ومكافحة الأضرار الناشئة عن هذه الممارسات.
كما أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي في الأمانة العامة في الرياض مكتبا فنيا مختصا لمكافحة الممارسات الضارة في التجارة الدولية، حيث يقوم المكتب بكل إجراءات التحقيقات في قضايا هذه الممارسات بهدف حماية القطاعات الإنتاجية لدول المجلس من نتائجها، وذلك حينما تسبب هذه الممارسات ضررا للمنتجات الخليجية أو تهدد بوقوعه. ولعل من أهم الأنظمة المعتمدة من قبل دول المجلس التي تتصدى لهذه الممارسات الضارة، نظام مكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والحماية الوقائية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/30 وتاريخ 1427/5/17هـ، الذي حدد التالي:
1 - طرق التصدي للإغراق، الناتج من تصدير المنتجات الأجنبية للسوق المحلية بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية بنسبة تعرف بهامش الإغراق، مع ضرورة تحديد العلاقة السببية لنسبة الهامش مع الضرر الجسيم الواقع على منتجاتنا الوطنية، تمهيدا لتطبيق الرسوم المضادة على الواردات المغرقة بنسبة تعادل نسبة هامش الإغراق.
2 - طرق التصدي للمنتجات الأجنبية المدعومة ماديا من حكومتها، وإثبات علاقة هذا الدعم بالضرر الجسيم الواقع على منتجاتنا الوطنية، تمهيدا لتطبيق التدابير التعويضية على الواردات الأجنبية المدعومة بنسبة تعادل قيمة الدعم الذي تتلقاه.
3 - طرق التصدي للزيادة غير المسوغة للواردات الأجنبية في السوق المحلية التي يجب ألا تزيد نسبتها السنوية على 3 في المائة من واردات منتج معين من دولة واحدة، أو 9 في المائة كحد أقصى من واردات المنتج المعين من عدة دول مجتمعة، مع ضرورة إثبات علاقة نسبة هذه الزيادة بالضرر الجسيم الواقع على منتجاتنا الوطنية، أو الذي قد يهددها مستقبلا، تمهيدا لتطبيق الحماية الوقائية على الواردات الأجنبية بنسبة تعادل هذه الزيادة.
إلا أن التباين المعقد الذي يصاحب طرق التعرف على هذه الممارسات الضارة لتطبيق الأحكام ضدها، يؤدي في كثير من الأحيان إلى وقوع منتجاتنا الوطنية المتضررة فريسة نتيجة الخلط بينها لعدم توافر القدرات القانونية للتفريق بين وقائع الإغراق والدعم والزيادة غير المسوغة للواردات، ما يؤدي إلى سهولة صد دعاوى منتجاتنا الوطنية وتكبدها مزيدا من الخسائر.
لذا يجب علينا أولا تحديد نوع الممارسات الضارة للواردات الأجنبية، وهل ترتقي لواقعة الإغراق؟ وتحديد هامشه، أو هل حصلت على الدعم المحظور وما قيمته؟، أو هل زادت وارداتها في السوق المحلية بنسبة زيادة سنوية تفوق النسب المحددة؟ كما يجب على منتجاتنا الوطنية تقييم الضرر الجسيم الواقع عليها بسبب هذه الممارسات، وعلاقته السببية بهامش الإغراق أو قيمة الدعم المحظور أو نسبة الزيادة غير المسوغة في الواردات.
على قطاعنا الخاص المتضرر من جرائم الواردات الأجنبية ألا يقف مكتوف الأيدي، بل يلجأ فورا لدراسة هذه الأنظمة ويسخر كل طاقاته لتقييم وتحديد نوع الممارسات الضارة التي يواجهها، بعد التأكد من وقائعها وحقائقها قبل إصدار أحكامه الجزافية بشكل لا يمت لأي منها. وعلى الجهات الحكومية المختصة أن تتكاتف جميعها لتقديم جميع المعلومات الموثقة والمطلوبة عن المنتجات الأجنبية التي تغزو أسواقنا المحلية، بما في ذلك قيمتها الحقيقية مقارنة بسعر بيعها ونسبة الدعم الذي تتلقاه من حكوماتها، ونسبة الزيادة السنوية في كميات وارداتها، تمهيدا للتصدي لها ومعاقبتها.
ولكون هذه الممارسات الضارة تسعى إلى تشويه التجارة لدى غزوها أسواقنا المحلية، وتختلف في أساليبها الملتوية اختلافا جذريا عن غيرها من الأساليب التي تضر بمنتجاتنا الوطنية، فإن طرق معالجتها المعقدة والمتشعبة تتطلب معرفة دقيقة ودراية تامة بقواعدها القانونية الدولية وأحكامها المدونة في الأنظمة المحلية.
ولا بد أن نقتنع أولا وأخيرا أن الشركات العالمية ستتمادى في ارتكاب مثل هذه الجرائم التجارية داخل أسواقنا السعودية إذا لم نستخدم أنظمتنا المحلية واتفاقياتنا الدولية للدفاع عن مصالحنا الحيوية وحماية منتجاتنا الوطنية.

إنشرها