عقول للبيع

|


يعرف العقل الجمعي بأنه ظاهرة نفسية تعتقد فيها الجماهير أن تصرفات الجماعة تعكس سلوكا صحيحا، ويتجلى تأثير العقل الجمعي في الحالات التي تسبب غموضا اجتماعيا، وتفقد الجماهير قدرتها على تحديد السلوك المناسب والتفكير المنطقي على افتراض أن الجماعة تعرف أكثر، أما العقل الفردي المعاكس له فيقول عنه جوستاف لوبون صاحب كتاب سيكولوجية الجماهير "إن العقل الفردي يختلف عن العقل الجمعي في التفكير، فالفردي قد يصل إلى قرارات منطقية، لكنه إذا انجرف مع العقل الجمعي، فقد يتصرف بصورة سلبية". لفت هذا الموضوع انتباهي حين كنت أتفرج على تجربة علمية لمفهوم العقل الجمعي وتأثيره في سلوكيات الجماعة في ظل غياب العقل الفردي، كانت التجربة عبارة عن مجموعة أشخاص ممثلين يدخلون المصعد وهناك كاميرا مخفية تقوم بتصويرهم وحين يدخل أحد الجماهير يستديرون فجأة ناحية الجهة المعاكسة لباب المصعد، المثير للدهشة أن كل شخص من الجماهير، لم يكن يعلم بأمر هذه التجربة، كان يستدير معهم بشكل تلقائي دون أدنى تفكير أو تساؤل.
هذا المفهوم للعقل الجمعي سبق وتحدث عنه القرآن الكريم في قوله تعالى (قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) نزلت في صناديد قريش حين دعاهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى الإسلام فتكبروا واعتمدوا على العقل الجمعي وهذا ما أوردهم النار وسوء العاقبة.
مثال على العقل الجمعي ما يحدث الآن في "السوشيال ميديا" ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، فكثير من المتابعين بدلا من أن يعتمدوا على العقل الفردي لكل منهم الذي يقودهم إلى التفكير المنطقي والقرارات السليمة، فإنهم يعتمدون على العقل الجمعي فينجرفون خلف دعايات مضللة هدفها ابتزازهم ماديا بالدرجة الأولى أو سلوكيات خاطئة لا يدركون فداحة نتائجها و.. و.. و..، الأسبوع الماضي رأيت بأم عيني في أحد المهرجانات تدافع الأطفال والفتيات والشباب بشكل هستيري لرؤية إحدى مشهورات السناب شات لا تقدم في حسابها سوى التفاهة والأمور السخيفة التي لا فائدة منها، كانت الجماهير تهرع إلى رؤيتها والتصوير معها، والمنظمون يمنعون الوصول إليها باستماتة، لحظتها أدركت أن العقل الجمعي هو الذي كان مسيطرا على الوضع، ولو كان العقل الفردي "شغالا" لكان السؤال المنطقي، ما الرسالة الإنسانية لتلك المشهورة؟ وما الخدمات المجتمعية التي قدمتها؟ وماذا سأستفيد من متابعتها؟ ولماذا أهرع إلى رؤيتها وهي لا تقدم في سنابها سوى "السماجة" واستعراض بيتها وخصوصياتها لزيادة متابعيها، بالتالي ارتفاع سعر الإعلانات لديها!
احذروا سيطرة العقل الجمعي واستخدموا عقولكم الفردية قبل أن "تخيس" خلاياها!

اخر مقالات الكاتب

إنشرها