التحولات الاقتصادية بعد انهيار جدار برلين

|
كاتب ومستشار اقتصادي


مرت يوم التاسع من هذا الشهر تشرين الثاني (نوفمبر) الذكرى السنوية الـ30 على انهيار جدار برلين، وهو الجدار الرمز لسقوط الشيوعية وتقسيم البلد الواحد إلى قسمين منع كل منهما من الاختلاط بالآخر وزيارته طوال فترة الحرب الباردة، والحقيقة: إن العالم شهد عددا كبيرا من التغيرات الضخمة بعد سقوط هذا الستار الحديدي، أولها وأهمها سقوط الشيوعية برمتها بعد عامين فقط من سقوط الجدار.
وللتذكير، فجدار برلين تم بناؤه في 1961 ليقسم العاصمة التاريخية لألمانيا إلى قسمين بعد أن فر نحو ثلاثة ملايين إنسان من ألمانيا الشرقية إلى الجارة الغربية خلال الفترة من 1949 إلى 1961؛ نتيجة القمع الذي اتبعته الحكومات الشيوعية، ورغم أن الجدار مات في ريعان شبابه حيث لم يتجاوز عمره 28 عاما حين انهياره إلا أنه يحكي بؤس الإنسان في معسكر حلف وارسو وجوعه واضطهاده.
اقتصاديا، تبدلات وتحولات كثيرة شهدها العالم منذ سقوط الجدار إلى اليوم، أولها صعود نجم الرأسمالية كنظام عالمي وحيد في هذا العالم بعد نهاية الحرب الباردة، وتحول عدد كبير من الدول التي كانت شيوعية للرأسمالية وعلى رأسها الصين التي كانت العنوان الأبرز للاقتصاد العالمي طوال الـ30 عاما الماضية منطلقة من الصفوف الخلفية لتحتل المرتبة الثانية على خريطة العالم الاقتصادية.
من التحولات أيضا خلال الـ30 عاما الماضية بزوغ نجم مجموعة الـ"بريكس" BRICS الاقتصادية التي تضم إضافة إلى الصين الهند والبرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا، وتسيطر هذه الدول حاليا على نحو الربع من إجمالي الناتج العالمي وتزيد حصتها في التجارة العالمية على 16 في المائة وتحتضن ما يربو على خمس سكان العالم.
من التحولات المهمة كذلك في الشأن الاقتصادي: دخول التكتل الأوروبي حيز التنفيذ بإطلاق عملة اليورو الموحدة في 1999 لتصبح اليوم عملة وحيدة لـ19 بلدا أوروبيا ويتعامل بها ما يزيد على 340 مليون شخص وترتبط بها عملات بلدان أخرى يربو عدد سكانها على 175 مليون إنسان.
من التحولات الاقتصادية الكبيرة أيضا: وقوع العالم تحت وطأة أزمة مالية طاحنة وكبيرة ضربت رسميا يوم 15 أيلول (سبتمبر) 2008 بانهيار مصرف "ليمان براذرز" الأمريكي، وجابت العالم خلال أيام قليلة وكانت وطأتها الأشد على الدول الأربع التي تجمعها كلمة PIGS، وهي البرتغال وإيطاليا واليونان وإسبانيا؛ وإن كانت اليونان هي الأكثر وجعا وما زالت تعاني بسبب الأزمة إلى اليوم.
بالتأكيد، سقوط جدار برلين حدث تاريخي فارق سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إلا أن المؤسف أنه رغم سقوط الجدار إلا أنه بني مكانه جدران وحواجز حسية أو معنوية كثيرة خصوصا بعد الأزمة المالية العالمية، وأفردت الـ"بي بي سي" البريطانية تحقيقا عنونته بـ" جدار برلين .. أوروبا تعيد بناء جدران جديدة بعد 30 عاما من هدمه"، قالت فيه: "رغم مرور ثلاثة عقود على هدم السور، إلا أن آلاف الكيلومترات من الأسوار حلت محله في مختلف أنحاء القارة، بهدف تقييد حركة مواطني أوروبا".
وللمثال، بنت المجر حاجزا مزدوجا لمسافة 155 كيلومترا بطول حدودها مع صربيا، وبنت بلغاريا حاجزا لمسافة 260 كيلومترا بطول حدودها مع تركيا وبنت النمسا حاجزا بطول حدودها مع سلوفينيا، وسلوفينيا بدورها بنت حاجزا على حدودها مع كرواتيا، وبريطانيا تنغلق على نفسها بخروجها من الاتحاد الأوروبي، وترمب على الجانب الآخر يهدد ببناء جدار لقفل حدود بلاده مع المكسيك، وزعيم اليمين القومي الإيطالي ماتيو سلفيني يهدد ببناء جدار في "المتوسط" لوقف الهجرة من إفريقيا، والحمائية التجارية زادت في 17 بلدا من أعضاء مجموعة العشرين.. وهلم جرا.
ختاما، لاشك أن الوضع انقلب على طموحات من عاصروا وصفقوا فرحين بسقوط جدار برلين، عادين أن الغرب منارة الحركة والحرية التي نجحت في مواجهة وهزيمة الحكم الشيوعي، وبحسب تصريح لإليزابيت فاليه الباحثة في جامعة كيبك في كندا والمختصة بقضايا الجدران الحدودية لقناة روسيا العربية فإنه "إذا راقب الذين أنهوا الحرب الباردة ما يحدث اليوم، سيرون أن الوضع انقلب على طموحاتهم بالكامل"، وتضيف "نحن متأكدون الآن أن هناك جدرانا في العالم يبلغ طولها مجتمعة 40 ألف كيلومتر؛ أي ما يعادل محيط الأرض"، وهذا الرقم يعني أنه تم بناء "71 جدارا" على الأرض لا يمكن اجتيازها خلال الـ20 عاما الماضية مقابل سقوط جدار واحد قبل 30 عاما.

إنشرها