اقتصاد بريطانيا في زحمة الانتخابات

|


"بريكست أكبر خطأ منذ الحرب العالمية الثانية"
جون بيركو، الرئيس السابق لبرلمان المملكة المتحدة

في زحمة حملات الانتخابات البريطانية العامة التي ستجري الشهر المقبل، التي يمكن وصفها بسهولة بـ"انتخابات بريكست"، تلقت المملكة المتحدة "ضربة" اقتصادية لافتة جدا. ضربة من جهة محايدة، لا دخل لها لا بمسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، ولا بموضوع بقائها أو بكيفية خروجها، أو بتوجهات الأحزاب المنخرطة بالحملات الشعبية هذه. وكالة "موديز" العالمية للتصنيف الائتماني خفضت المستوى الائتماني لبريطانيا إلى AA2، حيث وضعتها تحت المستوى الذي تتمتع به ألمانيا وهو AAA. الضربة جاءت بعد ساعات قليلة من إعلان ساجد جافد وزير المالية مخطط حزبه (المحافظين) الانتخابي وبرنامجه الاقتصادي للبلاد، إذا ما فاز الحزب بهذه الانتخابات. وكأن "موديز" تقول لجافد: دع عنك مخططاتك التي تتضمن إنفاقا تاريخيا، فالوضع الاقتصادي العام لا يسمح لك بهذا "الكرم".
والحق إن برامج الأحزاب البريطانية الأخرى الانتخابية، لا تقل "إنفاقا" عن برنامج المحافظين. بل إن حزب العمال المعارض تجاوز في "كرمه" الحزب المنافس بمئات المليارات من الجنيهات الاسترلينية. فمثل هذه الحملات لا بد أن تتضمن وعودا بالإنفاق، بصرف النظر عن ملاءة البلاد الاقتصادية أو المالية. وهذه الوعود عادة ما يذهب نصفها أدراج الرياح، عندما يتم وضعها على المحك وفي الميدان الحقيقي. وفي ظل هذه الأجواء، تكثر الاتهامات والاتهامات المضادة بين المتنافسين على 650 مقعدا تشكل مجلس العموم المقبل، خصوصا على صعيد الخدمات، وحجم الإنفاق، ومستوى الضرائب وغير ذلك. الجميع يريد أن يرتدي "جلباب حاتم"، دون أن يملك ما يقدمه حقيقة، أو لنقل دون أن يمتلك مفاتيح الخزائن.
المشهد السياسي في بريطانيا الآن فوضوي، تماما كما كان قبل حل البرلمان الأسبوع الماضي. والسبب الرئيس يبقى دائما "بريكست" بكل متعلقاته، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، حتى البيئية وغيرها. حتى إن مخططات "التصويت التكتيكي" باتت جزءا أساسيا من المشهد العام. فالنواب المؤيدون للبقاء في الاتحاد الأوروبي، يريدون نتائج انتخابية لا تمنح لبوريس جونسون رئيس الوزراء الأغلبية اللازمة له لتمرير اتفاق "بريكست" بصيغته الحالية. والنواب "المقاتلون" من أجل الخروج لا يريدون إلا حكومة بأغلبية مريحة تنهي عملية الخروج بأي ثمن. وهذه المواقف المتباينة جدا، وضعت قضايا محورية رئيسة على الهامش، وأولها وضعية الاقتصاد البريطاني الراهن، وحالته بعد الخروج. ناهيك عن الخدمات المتردية في بعض القطاعات ولا سيما القطاع الصحي، والتأمينات الاجتماعية، والتعليم، والأمن المحلي وغيرها.
الاقتصاد البريطاني يمر بالفعل بواحدة من أسوأ فتراته التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والسبب يبقى "بريكست". أعداد الشركات التي تتوقف بصورة شبه يومية ترتفع، وهجرة بعض الأعمال إلى خارج البلاد تزداد، وقيمة العملة باتت هشة، والعقارات في كل المناطق خصوصا لندن تتراجع إلى أدنى مستوى لها منذ عشرة أعوام، والكوادر المهنية في مختلف القطاعات تتناقص يوميا بالفعل، وهناك مؤسسات لا تعرف كيف تتعامل مع أي حالة إجرائية مقبلة بسبب نقص المعلومات، والأهم عدم وضوح الرؤية. دون أن ننسى الامتعاض المعيشي المتعاظم من سكان المناطق الشمالية في البلاد، وهو امتعاض يكلف أصواتا انتخابية هائلة لكل الأحزاب، ولا سيما حزب الحكومة الحالية. فقد أقرت الأمم المتحدة أن نسبة الذين يعيشون في بريطانيا تحت خط الفقر هي الأعلى في أوروبا بعد رومانيا.
هذا هو باختصار المشهد الاقتصادي والاجتماعي العام في بلد يحتل المرتبة الخامسة في العالم كأغنى دولة. وفوق كل هذا تهيمن على المشهد الاقتصادي تماما حالة من عدم اليقين، وهو أمر لا يستطيع أي اقتصاد في العالم تحمله مهما بلغ حجمه. ومن هنا، فإن أحدا لا يمكنه توقع نتائج انتخابات الشهر المقبل، ومن المرجح أن تعيد هذه الانتخابات رسم الخريطة السياسية للبلاد، بما ينتج عنها برلمان مشلول أيضا، يشبه ذاك الذي تم حله قبل أيام. وخفض تصنيف بريطانيا من قبل "موديز" يؤكد مجددا مدى بؤس الحالة الاقتصادية العامة والارتباك في صنع القرار على الساحة الوطنية. وهذا الخفض، يأتي أيضا في ظل تعاظم هجرة رؤوس الأموال من المملكة المتحدة، ليس فقط خوفا من نتائج "بريكست" المبهمة حتى الآن، لكن خشية من وصول حزب العمال المعارض إلى السلطة، سواء بأغلبية كافية أو بتحالف مع أحزاب صغيرة أخرى.
فهذا الحزب (بقيادته الحالية) طارد لرؤوس الأموال عبر سياسته الضرائبية المرتفعة جدا، ومن خلال مخططاته لتأميم عدد من المؤسسات الكبرى التي تم تخصيصها منذ عدة عقود. فالإرباك السياسي يأتي في بريطانيا من كل جانب، وإن كان "بريكست" هو العنوان الرئيس له. في الأسابيع الباقية من العام الجاري، ستشهد المملكة المتحدة تحولات كبيرة بالفعل، ليس فقط بفعل نتائج انتخابات لا أحد يستطيع توقع نتائجها في الوقت الراهن، لكن أيضا بتعاظم فوضى سياسية نادرة الحدوث في تاريخ البلاد.

إنشرها