السعودية على طريق الثورة الصناعية الرابعة

|


في سعينا الدؤوب إلى تحقيق رؤيتنا الطموحة تم التوقيع في الأسبوع الماضي على اتفاقية مع المنتدى الاقتصادي العالمي لإنشاء مركز الثورة الصناعية الرابعة في المملكة، ليصبح الخامس من نوعه على مستوى العالم. وتركز الاتفاقية على تأسيس التعاون بين المنتدى ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بدعم وتنسيق المركز السعودي للشراكات الاستراتيجية الدولية، بهدف تطوير آليات وخطط عمل وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة في المملكة وتوطين التقنية وإعداد الكفاءات ورفع مستوى القدرات، وبناء مواهب متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والعلوم المعرفية، والتعلم الآلي، وإنترنت الأشياء، والروبوتات، والمدن الذكية، وتشكيل مستقبل وحوكمة التقنية وسياسة البيانات، والتنقل الذاتي، والطائرات بدون طيار، ومستقبل المجال الجوي.
وكانت شركة أرامكو السعودية قد أزاحت الستار في آذار (مارس) من العام الجاري عن مركز الثورة الصناعية الرابعة في الشركة؛ أحدث مبادراتها لتطوير التقنية الرقمية المتطورة، مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والبيانات الضخمة التي تنطوي على ميزة تنافسية كبيرة، لتسهم جهود الابتكار التقني والرقمي في تحقيق نقلة نوعية في الطريقة التي تمارس بها "أرامكو السعودية" أعمالها.
هذه الخطوات المتسارعة تضع المملكة على مشارف ثورة صناعية متقدمة تهدف إلى مضاعفة القدرات التنافسية العالمية في التقنية والمعرفة والابتكار، لتصبح من الدول الرائدة في استقطاب الاستثمارات وتطوير القدرات والأنماط لتتحول إلى عصر الكفاءة الصناعية والقدرة الإنتاجية، التي ستنعكس بشكل واضح على حياة المواطن ورفاهيته وكفاءته.
وبناء عليه تم اختيار منطقة "نيوم" في شمال غرب المملكة، لتصبح أحدث معقل للثورة الصناعية الرابعة، خاصة أنها تقع وسط ثلاث قارات، وهي آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتشرف على ضفاف البحر الأحمر الذي تمر عبره 13 في المائة من التجارة العالمية، بقيمة سنوية تفوق 15 تريليون دولار، وتنفرد سماؤها بأكثر الممرات الجوية ارتيادا للطائرات المدنية، التي تقل 70 في المائة من سكان القارات الثلاث.
كما بادرت المملكة في العام الماضي إلى استغلال نظرية التكامل الاقتصادي، فأبرمت خلال العام الجاري عشرات الاتفاقيات مع أمريكا والصين واليابان وروسيا وجنوب كوريا لدمج المزايا التنافسية لهذه الدول مع المزايا النسبية السعودية، تمهيدا لتحقيق زيادة الدخل الصافي لاقتصادنا وكسب الأسواق العالمية لمصلحة صادراتنا. وهذا بدوره سيؤدي إلى توفير الفرص الواسعة للمجتمعات البشرية في منطقة "نيوم" لتحقيق المعدلات العالية من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية معا. كما ستسعى الثورة الصناعية إلى دعم الخدمات اللوجيستية في منطقة "نيوم" من خلال ربط العلوم المعرفية بالتقنية الرقمية والبيولوجية لتخفيض تكاليف الإنتاج وتأمين خدمات النقل والاتصال والجمع بين الكفاءة العالية والثمن القليل واختصار الوقت، ما سيؤدي إلى سرعة تطور الاقتصاد السعودي الرقمي ومضاعفة حجم فوائده وابتكاراته.
ولكون منطقة "نيوم" تتمتع بموقعها على الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، قامت المملكة بزيادة تكاملها الاقتصادي مع الصين، خاصة أن التجارة السنوية للدول المطلة على هذا الطريق ستتجاوز خلال العقد المقبل قيمة 2.5 تريليون دولار، ما سيضاعف التجارة الخارجية للمملكة والصين بنسبة 160 في المائة مع الدول العربية و200 في المائة مع إفريقيا، خاصة أن المملكة والصين اتفقتا على زيادة رصيدهما من الاستثمار في المنطقة من عشرة مليارات دولار إلى أكثر من 60 مليار دولار خلال العشرة أعوام المقبلة. وهذا سيعزز مشاركتنا مع الدول الآسيوية وتعظيم استفادتنا من طريق الحرير لتوسيع رقعة قاعدتنا الإنتاجية وصادراتنا السلعية، ما سيؤهل قطاعنا الخاص ليكون الشريك الأنسب في منطقة "نيوم" للمشاريع الكبرى المتعلقة بصناعة السفن العملاقة وخدمات الأحواض الجافة وأنشطة النقل البحري والمناطق الاقتصادية المؤهلة، لترتفع مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي إلى 65 في المائة خلال الخمسة أعوام المقبلة، وتزداد قيمته المضافة المحلية بنسبة 300 في المائة، وتتضاعف حصة صادراته غير النفطية إلى نحو 35 في المائة.
من هذا المنطلق ضاعفت المملكة فوائدها من النظام التجاري العالمي، الذي يحث دول العالم على ضرورة الاستفادة القصوى من مزاياه التنافسية لتنويع مصادر دخلها وزيادة صادراتها، فأصبح المحتوى المحلي هدفا استراتيجيا في الصناعة والزراعة والخدمات وتقنية المعلومات، لتبادر المملكة بتأسيس قدراتها المعرفية ذات القيمة المضافة العالية وتعزيز أنشطتها الاقتصادية، سواء كان ذلك من خلال جذب الاستثمارات ونقل التقنية، أو توطين الوظائف، أو إحلال الواردات وزيادة الصادرات.
وتحقيقا لأهدافها ستتمكن المملكة من تسخير جهودها لرفع نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي من المستوى الراهن 3.8 في المائة إلى المعدل العالمي 5.7 في المائة، ليأتي ذلك بالتزامن مع زيادة قيمة أصول صندوق الاستثمارات العامة من 600 مليار ريال إلى ما يزيد على سبعة تريليونات ريال، وذلك بعد أن ارتفعت استثماراته الخارجية بنسبة 103 في المائة في العام الجاري لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 1996.
وهكذا تستمر المملكة في حصد نتائج تطبيقها مبادئ التجارة الحرة واقتصاد السوق، لتنجح في توجيه دفة العولمة لمصلحتها، وتحقق مركزا عالميا متقدما يعتمد على التنافسية ويرفع حجم تدفق الاستثمارات بنسبة 133 في المائة، لتتضاعف قيمة فرص الاستثمار الإجمالية إلى أكثر من تريليوني ريال، وتزداد نسبة الصادرات غير النفطية إلى 50 في المائة على الأقل من إجمالي الناتج المحلي.
ونتيجة لهذه الخطوات ستنجح المملكة خلال أعوام قليلة -بإذن الله- في سعيها إلى دخول عصر الثورة الصناعية الرابعة والقفز بترتيبها من المركز الـ19 إلى المرتبة الـ15 ضمن الاقتصادات الأكبر في العالم، وتحقيق المركز الثالث بين الدول الأسرع نموا في القرية الكونية بعد الصين والهند.

إنشرها