حين يرحل الغرباء

|

يقول نجيب محفوظ "ما أجمل الغرباء حين يصبحوا أصدقاء وما أحقر الأصدقاء حين يصبحوا غرباء فجأة".
هل جربت يوما شعورا غريبا يجعلك تفتقد شخصا لا تعرفه ولا يعرفك، وإنما جمعتك به الأقدار في رحلة بالطائرة أو في مقهاك المفضل أو في غرفة انتظار في مستشفى، أو جارا لك لم تتبادل الحديث معه يوما.. هل حزنت لفراقه حين رحل؟ لماذا هذا الغريب يترك أثرا عميقا في روحك ربما أحيانا أعمق مما قد يتركه صديق لك، اعتدت رؤيته دوما؟! ولماذا نتحدث بكل أريحية مع بعض الغرباء ونبوح لهم بأدق أسرارنا وخبايا قلوبنا، دون أن نخشى منهم غدرا أو شماتة؟ ولماذا حين يرحل بعض الغرباء ونفترق ونعلم يقينا أننا لن نلتقي بهم نشعر بالحزن، رغم أن بعضهم ربما يكون حوارنا معهم سطحيا أو حتى لم نجر أي حوار معهم؟!
يقال "لا تعشق الغرباء فهم دوما على رحيل"، هذه المقولة تذكرني بموقف حدث معي قبل أعوام في مطار الرياض، حين لفتت نظري شابة صغيرة. نظراتها الشاردة واحمرار طرف أنفها يشيران إلى أنها تعيش حالة حزن عميق كانت وحدها وفجأة انهارت باكية، ناولتها منديلا، ولم أقل لها أي كلمة احتراما لألمها، ثم التفتت نحوي متسائلة: هل الموت حل للوجع حين لا نتحمله؟!
من لهجتها عرفت أنها من إحدى الدول العربية وقام زوجها بتطليقها لأنها لم تتحمل خياناته المستمرة لها، لم أتمكن يومها من الحديث معها بشكل كاف، فقد كان وقت إقلاع طائرتها قد حان، لكني أجبتها بجملة واحدة "الأشد من الوجع أن نستسلم ونهرع للموت من أجل إنسان لم يقدر قيمة حياتنا بجواره"، للآن ما زلت أفكر فيها وهل غيرت حياتها أم استسلمت للألم؟!
حين طرحت السؤال نفسه في بداية مقالي على المغردين في "تويتر" وصلتني إجابات تثبت أن هذه المشاعر التي نحملها نحو بعض الغرباء فعلا حقيقية، إحداهن قالت "تأثرت كثيرا برحيل عجوز لا أعرفها، اعتادت الجلوس في حديقة بيتها في الحي، وكنت أسلم عليها في طريقي حين أمشي وحين تراني كانت توصيني أدفئ جسدي من البرد، صار لي ظرف منعني من المشي فترة ثم مررت فوجدت إعلان عزاء، وحين سألت قالوا ماتت".
هل الاهتمام الذي نحظى به خلال تلك اللحظات القصيرة مع بعض الغرباء هو ما يترك أثرا في نفوسنا؟
هل أصبح الغرباء ينصتون إلينا أكثر من الأصدقاء.. ولذلك نحزن لرحيلهم؟!

اخر مقالات الكاتب

إنشرها