اليوم العالمي للجودة .. ومسألة تطويرها

|

تحمل كلمة "جودة" دلالات مشرقة بالخير: فالجيد هو الحسن والمتقن؛ وكلمة أجاد تعني أتى بالجيد؛ ويضاف إلى ذلك أن كلمة "جاد"، وهي الأصل الثلاثي للجودة، تعني أصبح جيدا. أي إن عالم الجودة هو عالم خير شعاره الإجادة والإتقان. وكما في اللغة العربية، تشير كلمة "جودة Quality" في اللغة الإنجليزية إلى التميز والخصائص المرتبطة بمعايير تتسم بنوعية عالية. ويأتي "اليوم العالمي للجودة" في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام ليذكر الناس حول العالم جميعا بهذه المعاني الجميلة داعيا إلى الحرص على الاهتمام بها في مختلف شؤون الحياة.
تعطي "منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية OECD" التي تضم "34 دولة" من دول العالم المتقدمة، تعريفا "للجودة"؛ يقول: "إن لها جوانب متعددة ترتبط بتطلعات وأولويات واحتياجات المستفيدين منها". وتشمل هذه الجوانب: "الملاءمة relevance أو الاستجابة لاحتياجات المستفيد، والدقة accuracy في تحقيق المطلوب، ويضاف إلى ذلك الثقة credibility، والمواقتة الزمنية timeliness، والقابلية للوصول إلى المستفيد المستهدف accessibility، وكذلك الوضوح interpretability، والترابط coherence بمعنى تكامل الجوانب المختلفة". وتنطبق هذه الجوانب على خصائص المنتجات والخدمات، وعلى سمات الأعمال المختلفة. وهناك تعريف آخر للجودة صادر عن "المنظمة الدولية للمعايير ISO"؛ ويمتاز هذا التعريف ببساطته وشموله للمنتجات والخدمات التي تهتم المنظمة بوضع المعايير اللازمة لها. يقول هذا التعريف "إن الجودة هي المزايا والخصائص اللازمة لمنتج أو خدمة، كي تتوافق مع متطلبات ضمنية محددة". وللمنظمة وثائق مهمة تسعى إلى توجيه أعمال المؤسسات نحو الجودة. ومن أبرز هذه الوثائق وثيقة "متطلبات أنظمة إدارة الجودة ISO 9001"، حيث تعطي هذه الوثيقة توصيات عامة توضح، من خلالها للمؤسسات، كيفية تحقيق الجودة في تقديم المنتجات وإعطاء الخدمات.
وبين الوثائق المهمة "للمنظمة الدولية" أيضا، وثيقة "متطلبات أنظمة إدارة أمن المعلومات ISO 27001"، ولا شك أن إدارة أمن المعلومات بكفاءة وفاعلية في المؤسسات قضية مهمة ترتبط بجودة عمل هذه المؤسسات وأدائها. وهناك إضافة إلى ذلك وثائق أخرى تعطي أنظمة إدارة أخرى في مجالات تعزز الجودة، مثل مجال "الابتكار" في المؤسسات الذي يفعل نجاحها، ويعزز استدامة نشاطاتها.
يجد كثيرون في وثائق "المنظمة الدولية للمعايير ISO" تعقيدات في طرح متطلبات أنظمة إدارة الجودة وما يرتبط بها. لذلك نجد أن هناك وثائق أخرى، صادرة عن جهات مختلفة، تسعى إلى تبسيط طرح التوصيات الدولية، أو إعادة صياغتها بأساليب لغوية تساعد على فهمها، أو تحليلها إلى عناصر تسهل تطبيقها والاستفادة منها. وتشمل مثل هذه الجهات: أفرادا من الخبراء، وهيئات تسعى إلى تقييم مدى الالتزام بتطبيق التوصيات وتقديم المشورة بهذا الشأن، إضافة إلى جامعات تشجع طلابها على تحليل توصيات الوثائق الدولية، والعمل على تطويرها من أجل الارتقاء بالجودة إلى مستويات أعلى.
تسعى الدول إلى الاستفادة من الوثائق الدولية وتوصياتها في تعزيز الجودة في مؤسساتها. وهناك في الدول المختلفة هيئات مسؤولة عن ذلك مثل "الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة SASO" التي تطرح "رؤيتها" بالقول إنها "جهة موثوقة عالميا وممكنة لجودة الحياة وتنافسية الاقتصاد الوطني". وسنطرح فيما يلي وبمناسبة يوم الجودة العالمي، مقترحين بشأن العمل على "تطوير الجودة"، غاية كل منهما الارتقاء بالجودة على كل من المستويين الوطني والدولي.
يختص المقترح الأول بالعمل على "إعادة النظر بالتوصيات العالمية لإدارة الجودة"، والمجالات المرتبطة بها كمجال إدارة "أمن المعلومات". ويشمل ذلك السعي إلى "تحليل هذه التوصيات" إلى عناصر تسهل تقييم حالة الجودة في المؤسسات المختلفة، وتساعد على تفعيل تطبيقها والاستفادة منها. ويتضمن ذلك إضافة إلى ما تقدم القيام بتطوير هذا التوصيات نحو الأفضل، والارتقاء بالفوائد التي تقدمها. ويتطلب هذا الأمر ليس فقط مراجعة الجهود السابقة في هذا المجال، بل النظر إلى "مشهد الجودة" بجميع جوانبه والسعي إلى الإبداع والابتكار والتطوير المستمر بشأنه، خصوصا أننا نعيش في عصر تتزايد فيه المتغيرات وتتسارع، ولا بد من التنبه لها، والاهتمام بالاستجابة لمضامينها، بل والإسهام فيها، والحرص على الجودة بشأنها.
يركز المقترح الثاني على "بناء ثقافة الجودة والتطوير" في المجتمع، حيث يحرص كل فرد على "الجودة" سواء في "حياته الشخصية" أو عمله المهني في "المؤسسات"، ويسعى أيضا إلى تطويرها. وليست فكرة هذه الثقافة جديدة هنا، بل تعود إلى "مداكي إيماي Madaaki Imai" خبير الجودة الياباني الذي دعا إلى نشر "ثقافة كايزن Kaizen" في المؤسسات بين جميع أصحاب العلاقة. وتعود الصفة "كايزن" إلى أصول يابانية-صينية وتعني "التطوير المستمر" الذي يجب أن يتم عبر إسهام الجميع فيه. وقد ارتبطت ثقافة كايزن بمتطلبات رئيسة تتعلق بالجودة مثل "إزالة الهدر" و"رفع الكفاءة" وتحقيق "الرشاقة Lean" في العمل. ولا تقتصر "ثقافة الجودة والتطوير" المقترحة هنا على "ثقافة كايزن" على مستوى المؤسسة وما يرتبط بها، بل تنطلق لتغطي جميع عناصر المجتمع، وربما العالم بأسره.
يحتاج المقترح الأول الخاص "بتطوير توصيات الجودة الدولية" إلى خبراء وباحثين ومهتمين يعملون على تحليلها وتسهيل تطبيقها وتفعيل الاستفادة منها، إضافة إلى تطويرها، والسعي إلى الإبداع والابتكار في ذلك، بما يؤدي إلى الارتقاء المستمر بالجودة، والاستجابة لمستجدات العصر ومعطياتها. ويحتاج المقترح الثاني المرتبط "بثقافة الجودة والتطوير" إلى برنامج توعية بشأن متطلباتها على مستوى السلوك الشخصي، ومستوى العمل المهني في المؤسسات المختلفة، ومستوى المجتمع والواجبات التي يجب تنفيذها تجاهه. ولعل من المناسب هنا أن نتذكر الحديث الشريف الذي يقول "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"؛ ففي هذا الحديث دعوة واضحة، سبقت الجميع، إلى ثقافة الجودة المنشودة.
إن العصر الذي نعيشه هو عصر المعرفة والأفكار المتجددة ومعطياتها، إنه عصر يتطلع إلى الارتقاء بحياة الإنسان ورفاهيته. ولا شك أن هذا العصر، يحتاج كي يحقق طموحاته، إلى ترسيخ "ثقافة الجودة والتطوير المستمر" في كل فرد، ضمن إطار أخلاقي يجد مراده في مصلحة الجميع.

إنشرها