اكتتاب «أرامكو» .. القرار والمسار

|

أخيرا أعلنت "أرامكو" عزمها طرح أسهمها بشكل رسمي مع تحديد التواريخ المفصلية للاكتتاب، بكل تأكيد هذا الاكتتاب غير عادى ولا غرابة أن يستحوذ على الأخبار في كل أنحاء العالم وذلك لحساسية القطاع الذي تعمل به وحجم الشركة وكيفية تداول الأخبار عنها في الفترة الماضية، سيكون هذا الاكتتاب سابقة في كثير من جوانبه، يبدأ أولا من طرح شركة في تداول كل تعاملاتها وسجلاتها الرسمية بالدولار إلى الطرح المتدرج وفي أسواق أخرى إلى المحفزات للمكتتبين، ناهيك عن الحجم الضخم، في الحقيقة هذا الاكتتاب مر بتحديات كثيرة ومعقدة جدا وحجم عمل ضخم من جميع الأطراف المعنية به بدءا من الشركة إلى المشاركين في الاستشارات المهنية إلى الهيئات المنظمة.
قد لا يزال يسأل كثيرون لماذا تبيع الدولة جزءا من حصتها بالشركة؟ هل هي حاجة إلى النقد؟ طبعا لا، تستطيع الدولة الحصول على النقد من عدة مصادر بسهولة من غير الحاجة إلى بيع حصة من الشركة، لكن هناك ثلاثة أسباب رئيسة للبيع حسب ما صرحت به الحكومة من خلال وزير المالية وهي: أولا تنويع الأصول من خلال بيع حصة في الشركة فالدولة فعليا تتجه نحو تنويع أصولها واستثمار متحصلات البيع بإنشاء وتمويل قطاعات بعيدة عن النفط، ثانيا تنويع الدخل كذلك عبر استثمار متحصلات البيع بأصول غير نفطية يجني الاقتصاد ثمارها فيما بعد وتدر دخلا للدولة على المدى البعيد، ثالثا رفع كفاءة وحوكمة الشركة رغم أن الشركة تتمتع بحوكمة قوية وكفاءة عالية إلا أن وضعها في نطاق الشركات المساهمة ومتابعة المساهمين والتقييمات يضمن استمرار السعي لرفع الكفاءة في المستقبل والحرص على المنافسة.
طبعا ما زال حجم البيع صغيرا حيث ستبقى النسبة الأكبر بيد الدولة لكن الاتجاه نحو هذه الخطوة مهم استراتيجيا للمديين المتوسط والبعيد وقيمة الشركة الآن قد تختلف كثيرا في المستقبل عند اقتراب انخفاض الاحتياطيات النفطية، وفي الحقيقة "أرامكو" ليست مجرد آبار بترول لكن هي شركة حية برجالها ونسائها الذين يعملون لتطويرها عبر 12 مركزا بحثيا حول العالم ينتج سنويا 300 براءة اختراع، كثير منها يتحول إلى منتجات تخدم أعمال الشركة وتحقق لها كفاءة عالية ومن ثم تستثمرها تجاريا، كذلك الشركة وبتوجيه من ولي العهد تتجه للاستثمار عموديا بالتوجه إلى الصناعات البتروكيماوية عبر ثلاث قنوات: هي استثمارها مع شراكات أخرى في مجمعات جديدة، ثانيا الاستحواذ على رابع أكبر شركة بتروكيماويات في العالم وهي شركة سابك، ثالثا الاستثمار في إنشاء مجمعات صناعية بتقنية COTC عبر تحويل البترول إلى البتروكيماويات مباشرة وهي طريقة تطورها "أرامكو" عبر مراكزها البحثية، وسترفع من قيمة برميل البترول بشكل كبير بدل بيعه خاما، كل هذه المبادرات ستجد تنويعا في أعمال الشركة وتبعدها عن مخاطر تقلب أسعار البترول وتزيد هوامش ومستوى الربحية.
بعد ظهور أرقام الشركة المالية زادت التكهنات والتوقعات لقيمة الشركة، حيث توقع كثيرون نطاق التقييم بين 1.2 و1.8 تريليون دولار، وكثير استند إلى مقارنتها بتقييمات الشركات البترولية المدرجة. في الحقيقة لن أخوض كثيرا في نطاق السعر أو التقييم، حيث إنه سيعلن خلال أيام قليلة لكن سأتطرق إلى نقطة مهمة في مجال مقارنة الشركة بالشركات الأخرى المدرجة وهي في حجم الاحتياطيات النفطية المثبتة لكل شركة، أعتقد أن من غير العادل تقييم شركة أرامكو بالنسبة نفسها أو المكرر والعائد المطبق على الشركات الأخرى وهي لا تملك ولا ثلث احتياطيات "أرامكو" حيث إن متوسط الاحتياطيات المعلنة لدى هذه الشركات يمتد من تسعة إلى 17 عاما على أساس حجم الإنتاج اليومي، بمعنى آخر تملك شركة شيفرون على سبيل المثال 12 مليار برميل من الاحتياطيات فقط ومثلها شركة توتال، بينما شركة إكسون موبيل 21 مليار برميل فقط، بينما تملك شركة أرامكو 256 مليار برميل مكافئ نفطي ولذلك لو جمعنا احتياطيات أكبر خمس شركات بترولية "متداولة" لما عادلت احتياطيات شركة أرامكو، هذه الاحتياطيات لها قيمة حتى لو لم نستطع اليوم معرفة سعر البترول بعد 20 عاما ولهذا لا يمكن مقارنة تقييمات شركات بترولية لا تعادل 10 في المائة من احتياطيات "أرامكو" بها، يحب الأخذ في الحسبان هذه القيمة بشكل ما. حيث إنني سأستثمر في شركة أعلم أنها تستطيع إنتاج النفط لمدة 52 عاما حسب المعدل الحالي بينما الشركات الأخرى المؤكد لديها هو ما بين تسعة و17 عاما فقط.
ختاما لا يمكن إغفال الحديث عن المحفز للأفراد المكتتبين عبر إعطائهم سهما لكل عشرة أسهم في حال احتفاظهم بأسهم الاكتتاب لمدة ستة أشهر، هذه سابقة لم يعمل بها وهدفها الأساس تقليل المضاربات من قبل الأفراد في السهم وبالتالي عدم تذبذبه بعد التداول، ما قد يضغط عليه بالنزول وهي آلية فريدة ومحفزة، إضافة إلى الالتزام بالتوزيعات النقدية الثابتة في حدود 0.09375 سنت أو ما يعادل 35 هللة لكل سهم في الربع الواحد، بمعنى أن المستثمر سيحصل على ما يعادل ريالا و40 هللة للسهم وهو رقم يجب الانتباه له لأن الشركة ستلتزم بتوزيعه حتى عام 2024 ما يجعل السهم أقرب ما يكون إلى ما يعرف بالسهم الممتاز في هذا الجانب أو أقرب إلى طبيعة تقييم السندات، حيث يوجد التزام بالدفع طبعا مع الأخذ في الحسبان الفروق الجوهرية والقانونية بينهما لكن لتبسيط الحالة فقط، هذا كله يقود إلى تحسين التقييم على أي حال وسيعلن عنه بعد صدور نشرة الإصدار بأيام قليلة.

إنشرها