بكين تداوي جراحها في هونج كونج بتهديد تايوان

|


عادت قضية تايوان التي تعدها بكين إقليما متمردا يجب استعادته بالقوة المسلحة إن لزم الأمر "أي في حالة إعلان استقلالها من جانب واحد" إلى السطح أخيرا بعد التصريحات النارية التي أطلقها الجنرال وي فينج وزير الدفاع الصيني في منتدى شيانجشان الأمني التاسع حيث جاء فيها ما مفاده أن بلاده عازمة على إخضاع تايوان لسيادتها كي تكتمل وحدة الأراضي الصينية، وأن لا قوة على وجه الأرض بإمكانها وقف هذا الطموح.
وتأتي هذه التصريحات بعد تظاهرة القوة غير المسبوقة للجيش الأحمر الصيني في ساحة "تيان إن مين" في بكين في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) بمناسبة الذكرى الـ70 للثورة الماوية عام 1949، وهو الحدث الذي قضى على حكومة الصين الوطنية بزعامة الماريشال تشيانج كاي شيك وجعل الأخير يلجأ مع مناصريه إلى جزيرة فرموزا ليقيم عليها جمهورية الصين الوطنية المعروفة في الأدبيات السياسية باسم تايوان التي بزت الصين الشعبية الشيوعية لأعوام طويلة من جهة الرخاء والازدهار والتصنيع والتعليم والتحول إلى قلعة تكنولوجية ملهمة لدول جنوب شرق آسيا، ناهيك عن تأسيس نظام ديمقراطي تعددي مستقر على النمط الغربي منذ غياب الماريشال المؤسس عن المشهد بوفاته بسرطان الكبد عام 1975 ثم وفاة ابنه وخليفته الرئيس تشيانج تشينج كو بسكتة قلبية عام 1988.
كما تأتي تصريحات وزير الدفاع الصيني في وقت تخشى فيه القيادة الصينية من فقدان سيطرتها على جزيرة هونج كونج المزدهرة كنتيجة لانتفاضة شعبها ضد تغولها وعدم التزامها الدقيق ببنود المعاهدة الصينية - البريطانية التي استردت بموجبها بكين السيادة على الجزيرة في تموز (يوليو) عام 1997 بعد أكثر من قرن من الحكم البريطاني، ولا سيما البند/ الشرط المعروف بـ"بلد واحد ونظامان سياسيان"، الذي تضمن منح الهونجكونجيين الحكم الذاتي لإدارة شؤونهم بأنفسهم دون تدخل أو إملاءات من السلطات الحاكمة في البر الصيني.
كان المأمول وقت عودة الفرع الهونجكونجي إلى الأصل الصيني أن تنجح صيغة "بلد واحد ونظامان سياسيان" في إغراء التايوانيين للتفكير في إعادة توحيد بلادهم مع البر الصيني سلميا، وبالتالي وضع حد نهائي للقضية التايوانية خصوصا مع صعود الصين اقتصاديا وعسكريا وانكماش بلادهم وعزلتها دبلوماسيا وفقدانها مقعدها الدائم في مجلس الأمن إلى جانب الكبار الأربعة عام 1971 وسحب معظم دول العالم اعترافه بهم لمصلحة بكين.
غير أن فشل بكين في إدارة هونج كونج بالطريقة المتوافقة مع رغبات شعبها وتراثهم الديمقراطي وأسلوب حياتهم، رسخ لدى التايوانيين فكرة أفضلية بقاء بلادهم كما هي وبدد أحلام البعض في إمكانية لحاقهم بالبر الصيني، فيما كانت فكرة الاستقلال والسيادة الوطنية الكاملة تغزو أفكار الجيل الجديد من الشباب الذين لم يعاصروا أحداث هزيمة قوات الكومنتانج الوطنية على أيدي قوات ماو الشيوعية عام 1949 ولا الأحداث المريرة التي شهدتها الصين في الحقبة الماوية المظلمة، وإن كانوا قد سمعوا عنها من الجيل السابق لهم أو قرأوا تفاصيلها في المنهج المدرسي أو في المطالعات العامة.
وقد تبنى بعض الأحزاب السياسية التايوانية هذه التطلعات واستثمرها في الوصول إلى السلطة في تايبيه، بل أعلن في أدبياته رفضه القاطع لأي مساومة حول حق تايوان في البقاء كيانا منفصلا عن الصين، ومعارضته مبدأ الصين الواحدة، على نحو ما قام به الحزب الديمقراطي التقدمي، وهو حزب ليبرالي اجتماعي أسس عام 1986 وحصد شعبيته من موقفه الرسمي المتمثل في أن جمهورية الصين الوطنية دولة مستقلة ذات سيادة تتكون أراضيها من تايوان والجزر المحيطة بها، وأن سيادتها تستمد فقط من مواطنيها الذين يعيشون على أرضها، وبالتالي ليست في حاجة إلى إعلان ذلك رسميا "الجزئية الأخيرة تتكرر دائما لعدم إعطاء مبرر لبكين لاجتياح تايوان وإخضاعها بالقوة".
وهذا ما طبقته وتطبقه تساي إنج ون الرئيسة التايوانية الحالية زعيمة الحزب الديمقراطي التقدمي منذ فوزها بالرئاسة عام 2016، وسجل عنها قولها في وقت سابق من الشهر الجاري بمناسبة الاحتفال بيوم بلادها الوطني: إن التايوانيين "البالغ عددهم 23 مليون نسمة" مدعوون اليوم إلى مزيد من الوحدة والتكاتف من أجل الدفاع عن سيادة تايوان "في وقت تتحدى فيه بكين الحرية والقيم الديمقراطية والنظام العالمي عبر مزيج من السلطوية والقومية والقدرة الاقتصادية "بحسب قولها مشيرة في الوقت نفسه إلى أحداث هونج كونج ومطالبة دول العالم الديمقراطية بضمان عدم تغيير الوضع الحالي في مضيق تايوان.

إنشرها