بانتظار المعجزة الصناعية السعودية

|


قريتنا الكونية تزخر بالمعجزات الصناعية التي حققتها الدول في مختلف مستوياتها التنموية، وصعدت بها إلى مصاف العالم الأول دون أن تمتلك قطرة من النفط أو ذرة من الغاز، لتصبح قدوة حقيقية لطموحات الاقتصادات الناشئة ومثلا واقعيا لأهداف الدول النامية.
فاليابان، التي خسرت الحرب العالمية الثانية عام 1945، وأشرف نصف سكانها على الموت جوعا بينما كان النصف الآخر يئن تحت وطأة الفقر، حققت خلال نصف قرن من الزمن عديدا من الإنجازات وكثيرا من المعجزات، لتصبح اليوم ثالث أكبر قوة اقتصادية في العالم. في العام الجاري فاق ناتج اليابان المحلي الإجمالي ثلاثة أضعاف مثيله في جميع الدول الإسلامية، و11 ضعف الناتج المحلي الإجمالي لجميع الدول العربية.
وسنغافورة، التي لا تزيد مساحتها على مساحة أصغر عاصمة عربية، خرجت من وطأة الاحتلال البريطاني عام 1963، لتعالج نصف شعبها المدمن على المخدرات وتعتني بنصفه الآخر المرهق بحروب الاستنزاف، لتنجح اليوم في امتلاك أكبر موانئ العالم ارتيادا للناقلات البحرية، وثاني أكبر مصافي النفط في العالم، وأفضل مطار دولي في العالم، فغدت سنغافورة نموذجا اقتصاديا مميزا يحتذى به في أرجاء المعمورة كافة.
وجزيرة كوريا، التي خاضت ثلاث حروب طاحنة في النصف الأول من القرن الماضي وخسرت نصفها الشمالي عام 1948، وكاد نصفها الجنوبي يغرق في ديونه الثقيلة عام 1976 لولا المشاريع الخليجية المربحة التي حصل عليها أثناء الطفرة النفطية الأولى، لتحقق اليوم معجزة صناعية رائدة ومكانة اقتصادية مرموقة، فاقترب ناتجها المحلي الإجمالي من ضعف مثيله في دول الخليج العربية مجتمعة. في الحقبة الأخيرة حققت كوريا الجنوبية أفضل نسبة نمو عالمي حقيقي في بنيتها التحتية الذكية وغدت قبلة علماء الأرض في الرياضيات والهندسة والطب وتقنية المعلومات.
أما ألمانيا، التي قضت الحربان العالميتان الأولى والثانية على أخضرها ويابسها فاندثرت معظم قدراتها الصناعية وتراجعت مقوماتها الاقتصادية، أطلقت العنان لما تبقى من علمائها لإعادة بناء جامعاتها ومصانعها ومراكز أبحاثها، لتحتل اليوم المرتبة الأولى أوروبيا والرابعة عالميا في حجم الاقتصاد. في العام الماضي تجاوز الاقتصاد الألماني حاجز أربعة تريليونات دولار ليشكل نحو 5 في المائة من الناتج العالمي. كما غدت السوق الألمانية موطنا لنحو ثلاثة ملايين ونصف المليون شركة صناعية تتجاوز عوائدها السنوية حاجز سبعة تريليونات دولار، لتصبح ألمانيا ثالث أكبر مصدر للسلع في العالم بعد الصين وأمريكا، بحجم صادرات تجاوز حاجز 1,5 تريليون دولار في العام الماضي، أي ما يعادل 8 في المائة من حجم الصادرات العالمية. ويرجع هذا الحجم الكبير لصادرات ألمانيا إلى دور القطاع الصناعي الذي يشكل نحو 31 في المائة من اقتصادها، وهي من أعلى النسب المسجلة في الاقتصادات المتقدمة، فيما تشكل الشركات الصناعية الألمانية نحو 10 في المائة من الشركات الأوروبية العاملة في القطاع الصناعي. ويأتي قطاع السيارات في مقدمة الأنشطة الصناعية في ألمانيا، حيث تتجاوز إيراداته السنوية 400 مليار دولار، ويستحوذ على 21 في المائة من إجمالي صادرات السيارات في العالم.
عندما أجرى خبراء البنك الدولي أبحاثهم حول معجزات هذه الدول، اكتشفوا أن اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وألمانيا استخدمت ثلاثة أهداف استراتيجية أدت جميعها إلى صعود هذه الدول إلى مصاف العالم الأول في فترة زمنية وجيزة.
كان الهدف الأول يرمي إلى إعادة هيكلة التعليم، حيث ألغت هذه الدول أساليب الحفظ والحشو والتلقين في مدارسها وجامعاتها واستبدلتها بمبادئ الفكر والمعرفة والابتكار والبحث والتطوير. وكان الهدف الثاني يصب في التركيز على الانضباط، حيث أصدرت قيادات هذه الدول قراراتها الصارمة لتلقين كل من يستهين بالنظام ويتهاون في أداء العمل درسا قاسيا لن ينساه ليصبح عبرة لمن يعتبر. أما الهدف الثالث فكان من نصيب الصناعة، حيث منحت هذه الدول وزارات الصناعة صفة السيادية المطلقة، وأرغمت جميع الوزارات الأخرى على العمل لمصلحتها والامتثال لأهدافها والشراء من منتجاتها. أصبحت وزارات المالية تتفانى في جمع الأموال لتقديمها إلى وزارات الصناعة، وسارعت وزارات التعليم والبحث العلمي بتوجيه مخرجاتها للعمل في المنشآت الصناعية، وأبدعت وزارات الدفاع والداخلية والخارجية في توجيه جهودها لدعم المنتجات الصناعية وتشجيعها والدفاع عن مصالحها، ولجأت وزارات التخطيط والاقتصاد والإعلام إلى تطوير برامجها التنموية والإعلامية للترويج للمنتجات الصناعية في الأسواق العالمية.
بإمكان المملكة اليوم، بفضل تمتعها بالمواد الأولية التنافسية من نفط وغاز، أن تحقق معجزتها الصناعية إذا أحسنت تنفيذ هذه الأهداف الثلاثة، لتحتل المملكة مركزا صناعيا مرموقا بين دول العالم الأول. وبإمكان المملكة اليوم، بفضل عبور 13 في المائة من التجارة العالمية عبر مياهها الإقليمية، أن تصنع معجزتها الاقتصادية بإنشاء أكبر المحطات اللوجيستية وامتلاك أعظم أساطيل الناقلات البحرية والاستحواذ على أفضل الخطوط الجوية لتصل منتجاتنا الوطنية إلى جميع الأسواق العالمية.
المعجزة السعودية لن تأتي بمحض المصادفة أو من خلال طفرة نفطية واعدة، بل تتأتى عندما نبادر فورا باستبدال أساليب الحفظ والحشو والتلقين في مدارسنا وجامعاتنا بمبادئ الفكر والبحث والإبداع والمعرفة، وسننجح في تحقيق أهدافنا التنموية إذا التزمنا بالتطبيق الصارم لأنظمتنا والانضباط المحكم في نتائج أعمالنا، وستحقق صناعتنا مراتبها المتقدمة بين دول العالم إذا منحنا وزارة الصناعة السعودية قوة أكبر على جميع وزاراتنا وهيئاتنا الوطنية لنلزمها بتحقيق أهداف مسيرتنا الاقتصادية.

إنشرها