الهدر الإلكتروني .. وكيف نسترد بعض قيمته؟

|

الهدر حكم قاس على قيمة بالفقدان والضياع وقد ترتبط هذه القيمة بمادة ملموسة كمنتج أو مال، أو قد تتعلق بحالة معنوية كسمعة أو مكانة. طرحنا هذا الموضوع في مقال سابق، أما هذا المقال فيتجه في موضوعه نحو هدر المنتجات، وبالذات هدر الأجهزة الإلكترونية، أي ما يعرف بـ"الهدر الإلكتروني e-Waste" الذي يشهده العالم على نطاق واسع، والسبب في هذا الهدر هو انتشار الأجهزة الإلكترونية، وعلى رأسها أجهزة الجوال والأجهزة اللوحية بين أيدي الناس جميعا. وفي كل بقعة من بقاع الأرض تستخدم هذه الأجهزة لفترات زمنية محددة يجري التخلص منها بعد ذلك، حيث يتم استبدالها بأجهزة حديثة تحمل ميزات خاصة تعطيها قيمة جديدة لم تكن متوافرة في الأجهزة التي سبقتها، وهكذا تصبح الأجهزة السابقة "هدرا إلكترونيا".
يتميز هدر الأجهزة الإلكترونية بالسرعة، مقارنة بهدر الأجهزة التقليدية كالآلات الكهربائية في المنازل، أو وسائل النقل المختلفة من سيارات وطائرات وقطارات، أو غير ذلك من وسائل، فللأجهزة عموما عمر افتراضي كثيرا ما يتجاوز عشرة أعوام وربما أكثر. وقد تنتقل ملكية مثل هذه الأجهزة خلال هذه الفترة بين عدد من الأشخاص حيث تستمر الاستفادة من قيمتها، طيلة فترة عمرها الافتراضي. ويمكن تقدير انتهاء العمر الافتراضي لأي جهاز تقليدي من الناحية العملية عبر معادلة مادية يجريها صاحب الجهاز. وتشمل هذه المعادلة مقارنة قيمة الفوائد التي يقدمها استخدام الجهاز مع قيمة تكاليف صيانته وتشغيله. فإذا تجاوزت القيمة الثانية القيمة الأولى، فهذا يعني أن الإنفاق على الجهاز لم يعد مجديا، وعلى ذلك يكون قد حان وقت الاستثمار في جهاز جديد يحل محل الجهاز السابق، هذا إذا كان مثل هذا الاستثمار متاحا.
ويختلف أمر الاستثمار في الأجهزة الإلكترونية عنه في الأجهزة التقليدية. فالأجهزة الإلكترونية الأحدث تتصف بالتجدد في الإمكانات، وتقديم خدمات جديدة أو مطورة، لم تكن متوافرة في الأجهزة التي سبقتها. أي "تقدم قيمة مضافة" تغري صاحب الجهاز السابق، وتدعوه إلى اقتناء الجهاز الأحدث بسبب هذه القيمة، وبالتالي هدر الجهاز السابق الذي يبقى حاملا "قيمة في إطار إمكاناته". وهكذا تتسرع عملية الاستبدال ويجري إحلال الجهاز الأحدث محل الجهاز السابق. ولا يقترن ذلك بالعمر الافتراضي للجهاز السابق أو بتداعي قيمته، وإنما يرتبط بمستجدات ومزايا الجهاز الأحدث.
تثير سرعة استبدال الأجهزة الإلكترونية، والهدر الإلكتروني الناتج عن ذلك، قلقا حول العالم في هذا المجال. طرح الاتحاد الدولي للاتصالات ITU على موقعه الإلكتروني تقريرا كتبته لوسي سبنسر Lucy Spencer، وكذلك فيديو أعدته كاتيا سكفورتسوفا Katya Skvortsova. برز في هذين المرجعين أمران اثنان، يرى أحدهما أن هناك مواد ضارة في بقايا الأجهزة الإلكترونية المهدورة، أي أن هدر الأجهزة يتطلب التنبه إلى هذه المواد، كي لا يسبب تجمعها عشوائيا واختلاطها بمواد أخرى أضرارا بيئية. وفي سبيل تعزيز أهمية هذا الأمر تم طرح أمثلة حول المواد الضارة المقصودة؛ وشمل ذلك: الزئبق Mercury، والكادميوم Cadmium، والرصاص Lead.
أما الأمر الثاني فيركز على مسألة العمل على استرداد بعض قيمة الهدر الإلكتروني، ويبرز هنا موضوع إعادة تدوير بقايا الأجهزة الإلكترونية والاستفادة من المواد المكونة لها؛ حيث يتم استرداد جزء من قيمتها المهدورة. وتقدر المراجع سابقة الذكر أن حجم الهدر الإلكتروني العالمي يقدر سنويا بنحو 50 مليون طن، وفيه ما فيه من قيمة ضائعة، وقيمة يمكن استردادها. وفي هذا المجال تطرح المراجع السابقة مثالا يختص بأجهزة الجوال الذكية في سويسرا التي يبلغ عدد سكانها 8.4 مليون نسمة، حيث تقول: في هذه الدولة نحو عشرة ملايين جوال ذكي مهدر، تم استبدالها بجوالات أحدث تقدم خدمات مضافة لم تتوافر في الأجهزة المستبدلة.
يعمل كثير من الدول على إعادة تدوير Recycle الأجهزة الإلكترونية المهدورة، وتشمل إعادة التدوير هذه: جمع هذه الأجهزة في حاويات خاصة، ومعالجتها بعد ذلك بالتقطيع Shredding إلى أجزاء صغيرة، ثم العمل على فصل عناصرها. ويشمل ذلك على سبيل المثال وضع العناصر المعدنية في جهة، والبلاستيكية في جهة أخرى، ثم الزجاج في جهة ثالثة، وهكذا أيضا بالنسبة للعناصر الأخرى. وتقول الخبرات السابقة، طبقا للمراجع المذكورة: العالم يقوم اليوم بإعادة تدوير 20 في المائة فقط من الهدر الإلكتروني؛ وتقول أيضا: يمكن عبر عمليات التدوير استعادة نحو 70 في المائة من مواد الأجهزة الإلكترونية المهدورة. أي يمكن بذلك إعادة استخدام هذه المكونات في تصنيع أجهزة ومنتجات جديدة، تصمم حديثا لتحمل صفات وخدمات جذابة، غير مسبوقة.
تبدو سويسرا في مقدمة الدول المهتمة بإعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية المهدورة، فقد كانت تقوم بذلك لنحو 75 في المائة من هذه الأجهزة عام 2016، ثم ارتفعت النسبة إلى نحو 95 في المائة عام 2018، ولا شك أنها بدأت تقترب الآن من 100 في المائة. أي تستطيع استنادا إلى ما سبق استرداد 70 في المائة من المواد المكونة لجميع الأجهزة الإلكترونية السابقة المهدورة. ولا شك أن في ذلك إنجازا كبيرا يستحق أن ينتشر حول العالم.
لا شك أن الهدر مشكلة تضيع فيها قيمة الأشياء المهدورة. لكن هذا الهدر لا بد منه في حالات كثيرة مثل استخدام الأجهزة المختلفة والاستغناء عنها بعد ذلك، سواء كان إيقاع هذا الاستغناء سريعا كما في الأجهزة الإلكترونية، أو بطيئا كما في الأجهزة التقليدية. وطالما أن مثل هذا الهدر قائم لا محالة، فإن السعي إلى استرداد بعض قيمته أمر مطلوب يجب الاهتمام به. وفي مجال الهدر الإلكتروني، يبدو الاهتمام العالمي بهذا الاسترداد متزايدا، وتبدو الخبرات المكتسبة بشأنه متزايدة أيضا. وعلينا أن نهتم بذلك، خصوصا ونحن على أرض الواقع نستخدم الأجهزة الإلكترونية على نطاق واسع. علينا أن نجمع الأجهزة الإلكترونية المهدورة في حاويات خاصة، وعلينا أن نتعامل مع مكوناتها الضارة بحذر، وأن نسعى إلى تدوير مكوناتها المفيدة؛ لنسترد ما يمكن من القيمة الباقية التي تحملها.

إنشرها