لكي ينجح النقل العام في الرياض

|
كاتب ومستشار اقتصادي


وافق مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة على تشغيل شبكات النقل العام بالحافلات كمرحلة أولى في بعض مدن المملكة ومحافظاتها، ولا شك أن المتابع لسير العمل في شوارع الرياض الرئيسة يرى أن هناك تسارعا في تجهيزات مسارات ومواقف ولوحات وجداول الحافلات التي ستنطلق لتربط الحارات والأجزاء المختلفة للمدينة مع قطار الرياض الذي لم يبق على بداية تشغيله سوى شهور قليلة.
بلا شك فإن انطلاقة النقل العام في الرياض خصوصا يعني كثيرا للعاصمة وسكانها، والأثر المباشر هو تخفيف الزحام الذي تشهده شوارعها بشكل يفوق الوصف صباح مساء، وما يترتب على هذا الزحام من حوادث وإصابات وتأخر عن مواعيد الدوام والمحاضرات والاجتماعات، كما أن للنقل العام فوائد غير مباشرة تنعكس على الصحة حيث المشي من محطات الحافلات والقطار وإليها، وتخفيف الضغط النفسي الناتج عن الزحام وطول الوقوف في طوابير الشارع، كما أن له فوائد اقتصادية كتوفير تكلفة الوقود والصيانة ومعدل الإهلاك للمركبات، وفوائد اجتماعية كتعرف أصحاب الخط الواحد على بعضهم، وفوائد ثقافية كاحترام الطوابير والالتزام بالوقت المحدد لتحرك وسيلة النقل وإعطاء الأولوية لكبار السن والمرضى والقاصرين في الجلوس على المقاعد المتاحة في الحافلة أو القطار.
والنقطة الأخيرة هي ما أقوله دائما لزملائي وطلابي إن النقل العام ثقافة كاملة، وليس فقط استخدام حافلة أو قطار للوصول من مكان إلى آخر، وهذا القول جاء نتيجة تجربة وملاحظة نتيجة استخدام النقل العام في مدن خارجية عشت فيها لأعوام وأخرى مررت بها سائحا يحمل حقيبته على ظهره ويتنقل بها من محطة إلى أخرى ومن "باص" إلى قطار إلى مترو إلى ترام.
بالطبع، لا يعني بداية خدمات النقل العام في الرياض أنها ستنجح لأنها وجدت فقط، ولا يتوقع بالتأكيد أن يتنازل الناس بسهولة عن سياراتهم الخاصة لخاطر عيون النقل العام، ولذا فإن هناك خطوات يجب على متخذ قرار النقل اعتمادها، ومنها:
- جعل تكلفة النقل العام صفرية أو قريبة من الصفر للأعوام الأولى خصوصا، فالسعر هو المؤثر الأول في استهلاك أي خدمة، وفي المشاريع العامة يجب ألا نحسب التكاليف مقابل الأرباح؛ وإنما التكاليف مقابل الفوائد الاجتماعية، ويجب ألا تطغى النظرة المالية على تسعيرة النقل العام في بداياته، فالفوائد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ذكرنا بعضها تكفي حتى لو لم يكن العائد المالي مجزيا مقابل التكاليف.
- الالتزام الصارم بمواقيت تحركات وتوقفات النقل العام سواء كان "باصا" أو قطارا، وهو أمر يجب ضمان تحققه منذ الساعة الأولى لانطلاق خدمات النقل العام، فلو حدث تأخر أو تغييرات في المسارات وإرباك للمستفيدين من الخدمة في بداياتها فهذا سيعطي انطباعا سلبيا من البداية ويشجع على عدم استخدام الناس لوسائل النقل العام. - الحرص على نظافة المرافق و"الباصات" والقطارات، وعدم التهاون في هذا الأمر؛ وإيقاع أقصى العقوبات على من يتساهل أو يكتب أو يكسر شيئا من ممتلكات هذه المرافق، ويجب استخدام كاميرات المراقبة وإعلان تطبيق عقوبات صارمة ضد من يتلف شيئا من الممتلكات العامة في "الباص" أو القطار أو المحطة.
- تكثيف الرقابة الأمنية على وسائل النقل العام، ولا سيما وهي وسائل يستخدمها الجميع رجالا ونساء، كبارا وصغارا وفي أوقات مبكرة أو متأخرة جدا، ويجب ضمان عدم حدوث ما يعكر صفو وطمأنينة هؤلاء المستخدمين في أي وقت من النهار أو الليل.
- أخيرا، يجب منع بعض المهن للعمالة الأجنبية من استخراج رخصة قيادة وامتلاك سيارات خاصة للتنقل، وهو نظام معمول به في بعض الدول، وإن كنا نعذرهم سابقا لعدم توافر وسائل نقل عام فقد انتفى العذر اليوم مع وجود البديل الرخيص لهذه العمالة.
ختاما، يتوقع أن يحدث النقل العام نقلة نوعية وثقافية واجتماعية واقتصادية في عاصمتنا الحبيبة، لكن يجب أن تدار وسائل النقل بحرفية ومهارة وتنظيم صارم منذ أول ساعة من انطلاق خدماتها، فلو بدأت الخدمات سيئة وغير منضبطة في الوقت والنظافة والأمان فلن يستخدمها الناس وسيصعب إصلاح سمعتها والانطباع الأول عنها لاحقا، فالانطباع الأول هو الانطباع الأخير كما يقولون؛ والسمعة مثل الزجاج سهل كسره وصعب إصلاحه، وسلامتكم.

إنشرها