سوق الفن وسيلة جذابة لغسل الأموال «1 من 3»

|

سوق الفن الخاضعة لقواعد تنظيمية فضفاضة تعج بفرص لغسل الأموال غير المشروعة، فقد نشأ ماثيو جرين في عالم الفنون الجميلة المثير، تحيط به منذ الصبا أعمال الأساتذة القدامى والفنانين الانطباعيين. وكان والده ريتشارد، وهو صاحب اثنتين من أشهر صالات العرض في لندن، يتاجر في الأعمال الفنية لأسماء أسطورية، مثل بيكاسو وكونستابل وشاجال وبروجيل. وكان ماثيو جرين البالغ من العمر 51 عاما، يستعد لتولي الأعمال التجارية للأسرة حتى يتمكن والده من متابعة شغفه الجديد.
لكن في أواخر عام2017، بحسب قول المدعين العامين الأمريكيين، تورط جرين مع مالكي شركة استثمارية مقرها موريشيوس، وهي شركة بوفورت للأوراق المالية Beaufort Securities، كانت تشارك في أعمال الاحتيال والتلاعب بالأسهم وغسل الأموال. وبالنسبة لمالكي شركة بوفورت، فإن دفع المستثمرين بالخداع لشراء أوراق مالية لا قيمة لها كان هو الجزء السهل. أما الجزء الصعب فهو جعل الأرباح غير المشروعة تبدو مشروعة للجهات التنظيمية. وقامت شركة بوفورت بذلك في الماضي عن طريق إيداع أموال بأسماء مستعارة في مصارف خارجية، ثم دسها في النظام المصرفي العالمي شيئا فشيئا. واستخدمت الشركة أيضا الحيلة التي ثبت فاعليتها على مر الزمن، وهي شراء العقارات وبيعها بسرعة، وغالبا بخسارة لتحويل العائدات غير القانونية إلى أصول يمكن تفسيرها على أنها ثمرة صفقة عقارية.
وقد كان ممارسو غسل الأموال، مثل شركة بوفورت يبحثون عن طرق أقل وضوحا لغسل أموالهم وكان ماثيو جرين يعرف كيف يتاجر في الأعمال الفنية التي تقدر بملايين الدولارات. وعندما اتصل به متآمرو بوفورت أواخر عام 2017 كان أحدهم في الواقع عميلا فيدراليا سريا في الولايات المتحدة اخترق شركة بوفورت. قال جرين إنه سيتقاضى 6.7 مليون جنيه استرليني "نحو تسعة ملايين دولار في ذلك الوقت" فيما كان يعرف بأنه العائد من الاحتيال في الأوراق المالية مقابل لوحة Personnages للفنان بيكاسو التي تعود لعام 1965. وكان جرين يقوم بصياغة أوراق ملكية زائفة. وتشكل سوق الفن ساحة لعب مثالية لغسل الأموال حيث يتم بيع العمل المزيف مع الاحتفاظ باللوحة مخزنة بعيدا. وفي وقت لاحق يتظاهر جرين بإعادة شرائها من المتآمرين بسعر أقل مع الاحتفاظ لنفسه بنسبة تراوح بين 5 و10 في المائة من الأموال المغسولة.
ويقول بيتر د.هاردي، وهو مدع عام أمريكي سابق يقدم حاليا المشورة للشركات والصناعات بشأن الامتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال، إن الفن وسيلة جذابة للغاية لغسل الأموال إذ يمكن إخفاؤه أو تهريبه، وغالبا ما تكون المعاملات خاصة، ويمكن أن تكون الأسعار غير موضوعية ويمكن التلاعب بها، وتكون مرتفعة جدا.
وبعد عدد كبير من الحالات التي وقعت أخيرا في الولايات المتحدة وأوروبا يتزايد الزخم نحو اتخاذ إجراءات صارمة حيال صفقات الفن والآثار غير المشروعة. وتتسم سوق الفن الشرعية في حد ذاتها بأنها ضخمة، حيث تقدر بمبلغ 67.4 مليار دولار على مستوى العالم في نهاية عام 2018.
ووفقا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن سوق الفن السرية التي تتضمن السرقات والأعمال المزيفة والواردات غير القانونية والنهب المنظم قد تجلب ما يصل إلى ستة مليارات دولار سنويا. ويبلغ الجزء الذي عزي إلى غسل الأموال والجرائم المالية الأخرى نحو ثلاثة مليارات دولار.
بالنسبة إلى جرين فقد انتهى اشتغاله المحدود في فن غسل الأموال المظلم على نحو سيئ إذ وجهت إليه ست تهم في الولايات المتحدة بمحاولة غسل أموال، وأعلنت الجهات التنظيمية البريطانية إعسار معرضه في حي مايفير في لندن. وعلى الرغم من أن جرين لم يتم تحديده على أنه هارب، تشير سجلات المحكمة إلى أن المدعين العامين الأمريكيين كشفوا عن لائحة اتهامه وأمر القبض عليه لأجهزة إنفاذ القانون في المملكة المتحدة وهنغاريا وسانت فنسنت وجزر جرينادين وموريشيوس، وأمر أيضا بتسليم لوحة بيكاسو.
وتظل الأساليب التي استخدمها جرين والآخرون المتهمون في عملية بيكاسو سهلة التكرار، على الأقل حتى الآن. وكان جرين يستغل ثغرة تنظيمية يعمل المشرعون الأمريكيون والأوروبيون جاهدين على إغلاقها. فعلى عكس المصارف، ليس هناك ما يلزم شركات التأمين على الحياة، ونوادي القمار، ومكاتب الصرافة، حتى تجار المعادن الثمينة، وبيوت المزادات وبائعي الفنون بالإبلاغ عن المعاملات النقدية الكبيرة لإحدى السلطات التنظيمية. وفي الواقع، يمكن للمتاجرين الحفاظ على سرية أسماء المشترين والبائعين. وذلك على عكس الشركات الأمريكية التي تتعامل بمبالغ مالية كبيرة، إذ لا يتعين عليها تقديم ما يسمى تقارير الأنشطة المشبوهة إلى وزارة الخزانة الأمريكية إذا كانت لديها شكوك حول مصادر الأموال التي تدفع لها.

إنشرها