ثقافة وفنون

في ذم العجلة .. مرحبا بحياة التأني

نعيش في عالم يمجد السرعة في كل شيء، فالسرعة باتت مطلوبة في حالات كثيرة، من الطعام السريع وموجات الموضة وبرامج تخفيف الوزن في شهر، إلى تعلم اللغة في ستة أيام وقراءة الكتب في ثلاث ساعات.. ما تولدت عنه قاعدة جديدة في الحياة المعاصرة، مفادها الحصول على أكبر نتيجة ممكنة بأقل مجهود.
تعزّز هذا التوجه بطروحات "علمية"، تزعم أن ميل الإنسان إلى الحلول السريعة أمر فطري وطبيعي. فبحسب الألماني كلاوس شواب رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي "انتقلت الإنسانية من عالم يأكل فيه الكبير الصغير، نحو عالم اليوم حيث يأكل السريع البطيء". باختصار؛ إنه عصر عبادة السرعة، حيث انقلب المبدأ القديم "البقاء للأصلح" نحو مبدأ جديد؛ ينافي الشرط الإنساني، هو "البقاء للأسرع".
كانت السرعة سلاح الرأسمالية الفتاك، فقد شهد القرن الـ19 عدة محاولات لترجمة شعار بنجامين فرانكلين "الوقت هو المال" إلى واقع ملموس، فتوالت الاختراعات المصممة لتوفير الوقت وزيادة السرعة، حتى عام 1876 تاريخ اختراع ساعة المنبه، التي أسست لمرحلة جديدة في تاريخ العمل في المصانع، فقد اهتدى أرباب المعامل إلى تركيب هذه الساعات للعمال، قصد ضمان الضبط الدقيق لمواعيد بداية العمل ونهايته.
تفيد المصادر التاريخية، بأن التأسيس لفكرة احترام المواعيد والانضباط في الوقت ارتبط ببروز الطبقة الرأسمالية، التي عدت المسألة واجبا مدنيا وفضيلة أخلاقية، لا يلتزم بها سوى الأشخاص المتحضرين، لكن حقيقة الأمر نقيض ذلك تماما، لأن دواعي الدقة والانضباط أبعد ما تكون عن القيم والفضائل، فهي ربحية مادية خالصة؛ هدفها الزيادة في الإنتاج، والرفع من العوائد، ومعدلات الأرباح السنوية. انتشرت عدوى السرعة في العالم تدريجيا، حتى تطبّع الجميع مع مهمة الركض في متاهات الحياة، التي أدت إلى كوارث إنسانية – في بعض الأحيان – على غرار ظاهرة الكاروشي في اليابان؛ أي الموت جراء الإفراط في العمل، وموت أكثر من ثلاثة آلاف شخص يوميا، جراء حوادث المرور الناجمة عن السرعة، ومعاناة الأطفال دون سن الخامسة بسبب قلة اهتمام الآباء بهم، من فرط الإجهاد الناتج عن السرعة.
لقد فعلت السرعة فعلتها بالإنسانية في كل أصقاع العالم، فالجميع أضحى مصابا بـ"مرض الوقت"؛ بتعبير الطبيب الأمريكي لاري دوسي، ما جعل ألسنة كثيرين تردد مع ميلان كونديرا الروائي التشيكي أسئلة من قبيل "لمَ اختفت متعة البطء؟ آه، أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكسالى، هؤلاء المشردون الذين يتسكعون من طاحونة إلى أخرى، وينامون تحت أجمل نجمة؟ هل اختفوا باختفاء الدروب الريفية والحقول والغابات والطبيعة".
في الأعوام الأخيرة، اتسع نطاق حركة ثقافية تعرف باسم "حركة التأني"، تدافع عن البطء في الحياة، وتسعى إلى مقاومة العجلة وهستيريا السرعة. من أبرز روادها كارل أونوريه الكاتب الكندي، صاحب كتاب "في مديح التأني" الذي يقدم فيه، على امتداد عشرة فصول صورة شمولية عن فلسفة البطء، فالتأني لا يعني قطعا إنجاز الأعمال بسرعة السلحفاة أو الحلزون، إنما القيام بها في حيز زمني معقول ومناسب.
على هذا الأساس، تقوم فلسفة البطء بقلب الصورة السائدة بشأن التعامل مع الزمن، داعية معتنقيها إلى الاستمتاع بالساعات والدقائق بدلا من الانشغال بعدِّها، لأن الأهم بالنسبة إلى رواد هذه الفلسفة هو القيام بالأشياء بأفضل طريقة ممكنة، بدلا من القيام بها بأسرع طريقة، إنها دعوة إلى أن نمنح كل لحظة في حياتنا الوقت والانتباه اللذين تستحقانهما، بدلا من الجري المسعور نحو النهايات، فالجودة أهم من الكم في كل شيء، سواء أكان ذلك في عملنا أو في طعامنا أو في تربيتنا لأبنائنا.
لا بد من الإشارة إلى أن أصول فكرة مقاومة السرعة أعرق بكثير مما راكمته "حركة التأني"، التي جاءت للتصدي لتصور ساد عقب الثورة التكنولوجية، مفاده التعامل مع كل مناحي الحياة بسرعة البرمجيات والتطبيقات؛ أي الإنجاز بلا مشقة وبنقرة على الزر، فقد سبق لتشارلز وانر الكاتب الأمريكي أن عبّر في بدايات القرن الـ18 عن ضجره من تقسيم الزمن، مرددا مقولة بلوتوس الكتاب الروماني "إن تقطيع الوقت إلى فترات صماء صلبة هو غزو للحرية الفردية، لا يراعي اختلاف الأمزجة والمشاعر".
يؤكد أونوريه أنه لا يعلن حربا ضد السرعة، بقدر ما يعلي من شأن التأني، حين يكون ضروريا، فمحاسن السرعة في حياتنا المعاصرة لا ينكرها أحد "الإنترنيت، الطائرات، القطارات السريعة، الخدمات عن بعد..."، إلا أنه يحذر من تحولها إلى نقمة، تجعلنا سجناء في محراب السرعة، واستطرد مفصلا نواحي الحياة التي لا مكان فيها للسرعة، التي اختارها عناوين لفصول الكتاب "الطعام، التعليم، الحميمية، التفكير، الطب، العمل، الاستجمام...".
يرى كارلو بتريني مؤسس "حركة الطعام البطيء" أن هذه الفلسفة لا تدعو إلى البطء في كل شيء، فمن شأن هذا أن يجعل أصحابها حمقى، بذلك يكون جوهر الدعوة أن يضبط كل فرد إيقاع حياته، ويقرر بنفسه وتيرة سرعته، فبعد أن يشعر بالارتياح من فعل بطيء صغير، ينتقل إلى ما هو أكبر منه تدريجيا، حتى يحدد الإيقاع المناسب لحياته.
يأخذ كثيرون على هذه الفلسفة وأنصارها أن قوام الاقتصاد العالمي لا يستقيم مع هذه الأفكار، ففلسفة التأني لا تناسب سوى قلة من المجتمع، ما يعني أنها ستتحول إلى زينة تجمل حياة الأغنياء فقط، لكن هذا الطرح يحمل في طياته كثيرا من المبالغة، فمعظم مظاهر فلسفة البطء يناسب الجميع، فقضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء لا يكلف شيئا، وكذلك المشي والطبخ والتأمل والمطالعة وتناول الأكل جماعة... ببساطة إن مقاومة الرغبة في الاستعجال مجانية، كما أن حركة البطء ليست حركة معادية للرأسمالية، بل على العكس إنها تمدها بشريان حياة.
بعيدا عن النقد الموجه إلى هذه الفلسفة، تعد هولندا إحدى الدول الأكثر تمثلا لمبادئ هذه الحركة، ففيها يعمل المواطنون ساعات أقل من أي دولة صناعية أخرى، حيث منحت التشريعات المواطنين الحق في إجبار أرباب العمل على السماح لهم بالعمل ساعات أقل مقابل رواتب أقل، ما يعني في المحصلة - بحسب أونوريه - وقتا أقل في التنقل والتسوق والضغط، ووقتا أكثر في الدراسة والعناية بالأطفال وممارسة الهوايات، لدرجة أن دولا أخرى مثل اليابان بدأت في دراسة النموذج الهولندي.
يختم أونوريه تتبعه لعلاقتنا المتوترة مع الوقت، مؤكدا أن الثقافة المتسارعة ذات عواقب وخيمة على الحياة، بحيث يقول "ضريبة ثقافة العجلة موثقة جيدا، ونحن نقود هذا الكوكب ونقود أنفسنا نحو الانهيار والنضوب والانطفاء، إننا فقراء وقت ومرضى وقت، بحيث أهملنا أصدقاءنا وعائلاتنا وشركاءنا، نحن بالكاد نعرف كيف نتمتع بالأمور، غالبا لأننا نتطلع إلى الأمور التي تليها".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون