رحلة الوطن والنفط .. العلاقة بين المالية و«أرامكو»

|


في عام 1932 أعلن الملك عبد العزيز -رحمه الله- توحيد السعودية بعد رحلة جهاد طويلة للم الشمل وتوحيد الكلمة وإقناع الناس بالحسنى، ثم جهاد من يريد لهذا الشعب البقاء في العزلة والمرض، في تلك السنة التي أعلن فيها الملك عبد العزيز توحيد المملكة أعلنت الشركات العالمية التي كانت تبحث عن النفط في الخليج العربي اكتشاف أول بئر نفط في البحرين قبل استقلالها عن بريطانيا، وهو الأمر الذي جعل الأنظار تتجه إلى المنطقة الشرقية كمصدر للنفط، لكنها كانت قد أصبحت تحت الحكم السعودي، فتم الاتفاق مع الدولة السعودية الوليدة وشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا "سوكال"، وإنشاء الشركة العربية للزيت "كاسوك". وتم اكتشاف النفط بكميات تجارية عام 1938 من بئر الدمام رقم 7 التي وصفها الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز "ببئر الخير" فقد كانت كذلك، ففي العام الذي تلاه تم تصدير أول حمولة نفط من المملكة للعالم لتبدأ معها رحلة تنمية داخلية طويلة، وتم استخدام إيراد كل برميل نفط في إعادة بناء الدولة بدءا من صحتها وتعليمها. مع ذلك من المهم أن يدرك الجميع أن الملك عبدالعزيز لم يكن يعلم حينما بدأ بناء الدولة السعودية أن كنوز النفط كانت تحت قدميه ذلك أنه بدأ عمله في بناء الدولة قبل تدفق النفط بأعوام عدة مستندا إلى موارد الدولة المحدودة حينها، كمثال على ذلك في عام 1925 "أي قبل أي محاولة للتنقيب عن النفط في الخليج العربي كله" أصدر الملك عبدالعزيز مرسوما ملكيا بإنشاء مصلحة الصحة العامة لتعكس اهتمامه الشديد بالشؤون الصحية وإنشاء المستشفيات التي تبلورت عمليا عام 1926 مع افتتاح أول مدرسة للتمريض، ثم افتتاح مدرسة للصحة والطوارئ عام 1927. لقد كانت طموحات الملك عبدالعزيز أكبر من مجرد سلطة وحكم بل حلما متكاملا في نقل شعبه من تحت ركام المرض والجهل إلى مصاف الدول الكبرى المؤثرة عالميا، وهذه الطموحات لم تتغير مع ظهور النفط بل جاءت الموارد الجديدة لتسرع من العمل وتدفع بالإنجاز إلى مسارات جديدة.
ورغم الأعمال الهائلة في سباق الزمن لبناء الوطن، إلا أن ذلك لم يشغل الملك عبدالعزيز وأبناءه البررة عن بناء مؤسسة نفطية قوية مكنت المملكة من تزعم الأسواق النفطية العالمية وأن يكون اقتصادها واحدا من أكبر 20 اقتصادا في العالم، فبعد أن بقي العمل مع الشركة الأمريكية حتى ترسخت قدرات المملكة في إنتاج النفط سميت الشركة باسم شركة الزيت العربية الأمريكية "أرامكو"، وهي الشراكة التي مكنتها من توسيع نطاق أعمالها في قطاع التوزيع وأنجزت في عام 1950 إنشاء خط الأنابيب عبر البلاد وهو الأطول في العالم. ثم توالت الاكتشافات النفطية وبدأت المملكة في 1973 خطوتها الأولى لتملك "أرامكو" بحصة قدرها 25 في المائة ثم 60 في المائة في العام التالي، وفي عام 1980 امتلكت الحكومة السعودية شركة أرامكو بأكملها.
وعندما نقول: إن الحكومة السعودية امتلكت الشركة يجب علينا الاعتراف بأن شكل هذه الملكية لم يكن واضحا تماما، فرغم أن الرئيس التنفيذي للشركة أصبح سعوديا، إلا أن العلاقة بين الحكومة والشركة بقيت متداخلة تماما، والمالية العامة تتحصل على الإيرادات من خلال عقود مختلفة مع الشركة مثل عقود الامتياز والضرائب أو حتى التوزيعات النقدية، وبقي هذا الأمر لا يشكل قلقا، حتى انهارت أسعار النفط في مطلع عام 2014 وواجهت المملكة صدمة مالية عنيفة، حيث بلغ العجز في المالية العامة 100 مليار بعد أن كان فائضا ضخما في العام الذي سبقه، ثم تعاظم العجز ليقترب من 400 مليار عام 2015، ولعدم توافر نماذج تمويل قوية ومساندة غير "أرامكو" لمقابلة مثل هذه الصدمة لم يبق أمام الحكومة لمواجهتها سوى السحب من الاحتياطيات لتتناقص الأرصدة الحكومية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي من 1413 مليار ريـال عام 2014 إلى 683 مليار ريـال عام 2016. وتبين بعد هذه الصدمة أن شكل العلاقات الاقتصادية بين "أرامكو" والحكومة يحتاج إلى تطوير وأن المالية العامة يجب أن تنفطم بقراراتها عن الاعتماد على ضخ النقد من النفط، وأن تطور أدواتها المختلفة لسد العجز من أدوات الدين أو الضرائب أو الإيرادات غير النفطية كالاستثمارات بعيدا عن النفط وصدماته. هنا انطلقت المرحلة الجديدة للاقتصاد السعودي على يد مؤسسها الجديد الملك سلمان بقيادة مباشرة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، لقد كانت أهم مزايا مرحلة "ما بعد الحداثة للاقتصاد السعودي" هي تنويع مصادر الدخل، وتمييز الكيانات الاقتصادية الجديدة والقديمة، تمييزا يجعلها قادرة بذاتها وباستقلالها على أن تمنح البلد نموا اقتصاديا وتوجد وظائف دون الارتكاز على العلاقة القديمة بين الحكومة ودخل "أرامكو"، تمييزا يجعل "أرامكو" تنفصل بقرارها الاقتصادي عن الحكومة وتتخذ قراراتها بناء على مفهوم تعظيم الربح، ما يجعلها تنظر إلى "سابك" فرصة استثمارية تشتريها لتضيف لـ"أرامكو" توجيه المصب بعدما سيطرت على الإنتاج والتوزيع، كما تم إنشاء صندوق الاستثمارات العامة ذراعا استثمارية مستقلة ليعكس علاقة اقتصادية بحتة بين الحكومة السعودية "كمستثمر" وبين "أرامكو" كشركة ضمن شركات عدة في القطاع الخاص، وهذا تطلب العمل على إعادة إنتاج "أرامكو" لهذه المرحلة وأن تعمل من خلال الأسواق المالية وتضخ المعلومات وتحصل على التمويل الحر، وهو ما بدا واعدا جدا عندما حققت نجاحا غير مسبوق من أول إصدار لها من الصكوك المالية، كما تمت إعادة ضبط المالية العامة لتجد وسائل مختلفة لتمويل مصروفاتها مثل الضرائب الاستهلاكية، حتى الضرائب على النفط، والغاز، كما تمت تنمية ذراعها التمويلية من خلال إصدار سندات لها قبول اقتصادي دولي يساعد الحكومة على تفادي صدمات النفط دون هدر الاحتياطيات، فعلاقة المالية العامة بالنفط أصبحت غير مباشرة، ما حرر المالية العامة من قيود التفكير في التنمية من خلال أسعار النفط، بل يمكن القول: إن تحرر المالية العامة من النفط بات وشيكا مع نجاح طرح "أرامكو" المنتظر، حيث تصبح جميع إيرادات المالية العامة غير نفطية، من حيث إن متحصلات المالية العامة من شركة أرامكو هي متحصلات ضريبية أساسا ويمكن تقديرها بسهولة. كما أن التنمية الكبيرة التي تتم اليوم من خلال صندوق الاستثمارات العامة يرفع كثيرا من الأعباء عن كاهل المالية العامة.

إنشرها