أين كانوا؟ قصة الصبر ومعركة الموت أو الوحدة

|

جيل لم يبدل عهده ولم يغير وعده، وعلى هذا تربينا وعشنا في هذه البلاد، وهذا هو عقدنا الاجتماعي الذي امتحن الله به قلوبنا ووحدتنا، فمن علينا - بإذنه - بالاستقرار وعم الخير وتدفقت الثروة، وجاءتنا الأرزاق رغدا من كل مكان. اليوم والحرب من حولنا وما زالت المكائد كما هي، وبينما نعيش في أمن وأمان ورزق من الرحمن، ومستشفيات وعلاج بالمجان، ورعاية للإنسان وإنصاف للحق
قبل 89 عاما أعلن الملك عبدالعزيز، هذا الوطن تحت راية واحدة، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبقي التحدي الضخم أمامه في رفع هذه الأمة من تحت ركام المرض والجهل إلى وحدة الصف ومحاربة المرض والجهل وبناء الإنسان والمكان. في تلك اللحظات التاريخية الأولى لهذه الدولة الفتية، كان أكبر الأحلام والأماني أن يجد هذا الشعب لقمة عيش، ومن يعبر اليوم قرى ومدن المملكة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، يسمع قصصا تهول لها العقول عن حياة قاسية وجوع قارص. ومن الغريب جدا أن الدراما السعودية بكل تاريخها، لم ترصد تلك الأيام وتلك القصص ليعرف هذا الجيل والعالم من شرقه إلى غربه لماذا نحن متمسكون بهذا العلم وهذه الراية السعودية.
لعل أشد ما قرأت وما سمعت من قصص، ما رواه رجل كبير في إحدى مناطق المملكة وتناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقول راوي القصة - كما وصلتني من ثقة أنقلها بتصرف بسيط: في منتصف القرن الماضي، في عام 1955 تقريبا، انتشر الجوع والفاقة، حتى باع الرجل أرضه بعشاء ليلة لأهل بيته كيلا يموت أولاده جوعا، وخرج من الديار من خرج بحثا عن لقمة العيش، وبقي من يرقب الموت بعد أن عجز عن الرحيل، حتى والدي خرج يبحث عن رزقه أو يبحث عن عذره أنه لم يكن موجودا حين مات أبناؤه جوعا، ولما غادر أبي التفت إلي، وقال: لعلنا لا نلتقي بعد هذه أبدا.
ازدادت الأمور سوءا بعد ذلك اليوم، وخاف جدي علي أن أموت جوعا، فأشار علي أن ألحق بأهل أمي ومعي أخواي الصغيران، فخرجت وأنا في الـ12 لأقطع بإخوتي 30 كيلومترا، فلما وصلت كنت فرحا، وكان الناس ينظرون إلي عبئا جديدا، ولم يمر وقت طويل حتى أصبحوا عاجزين عن إطعامنا، وخافوا أن نموت عندهم جوعا، فأشارت علي أمي أن أجد والدي أو لعلي أجد شيئا آكله، وأرسلت معي أخي وابن خالتي. ثلاثة ركب صغار وأنا الكبير فيهم وعمري في الـ12 لما أبلغ الحلم بعد، صغير أقود رحلة الأطفال البؤساء حتى وصلنا إلى أرض بؤس تنتشر فيها الملاريا ووباء قاتل، عرفنا عندما كبرنا أن اسمه الكوليرا، والناس يموتون فرادى وجماعات والمرض قد فتك بهم، لكن لا خيار أمام الجميع، فإما انتظار الموت مرضا وإما جوعا. ثم مضى ركبنا في تلك الأرض البائسة، نقترب في المساء من البيوت لنؤنس وحشتنا ونأكل ما نجد في الطريق حتى الشجر، ووصلنا إلى سوق من الأسواق فيه بعض الحبوب والتمر والزبيب، فنستبق إلى حبة سقطت هنا أو هناك، والناس لا تكاد تنظر إلينا، فكل في بيته جياع. تفرق ركبنا في السوق حتى يسهل علينا إقناع المتصدق بتمرة فيعطينا، ولا يقول تمرة واحدة وهم ثلاثة. فلما جاء المساء لم أجد أخي ولا ابن خالتي، ثم بحثت عنهما طوال الليل، فلم أجد أخي الصغير وعمره ثمانية أعوام إلا في الصباح، ولم أجد ابن خالتي إلا في اليوم الثالث، وجدته قد مات جوعا. قررت حينها العودة إلى أمي وأخبرتها عن ابن خالتي ورحلتي، فحزنت إن كان بقي في قلوبها حزن حينها، وما إن وصلت حتى ارتفعت حرارة أخي الذي كان رفيقي في الرحلة. لقد أصابه المرض، ومات عند الفجر، ومضت أيام جوع حتى قالت أمي إنها قد تفقدني، فطلبت مني العودة إلى جدي لعل وعسى أن يكون أبي قد رجع أو انتهى الجوع هناك، فلما وصلت كان الموت حالا بالمكان ووصل المرض إليهم، فهربت منه إلى غير وجهة غير أني أبحث عن أبي، حتى وجدته في قرى بعيدة ومعه بناته الصغيرات، وأخبرته بالأحزان، فجعل يخفف أحزاني ويبشرني. يقول الراوي: إن الأحزان لم تنته، فقد فقدت أبي بعدها بوقت قصير ثم أخواتي الصغيرات، ولم يبق معي غير طفلة ذات عامين أسير بها في حر الشمس حتى وصلت إلى قرية رأتني عجوز ورأت أختي على ظهري تصهرها الشمس. قالت، يا ولدي، اترك هذه الضعيفة معي واذهب لعلها تتعافى ثم تعود إليها أو تموت فتستريح. فتركتها، واستمر الجوع فترة ثم فرجها الله - سبحانه - ونزلت الأمطار على البلد وأغاث الله الخلق وكشف ما بهم.
إنها قصة حقيقية مختصرة لشخص من آلاف القصص التي سمعتها في مجالس أهلي وجماعتي وسمعها مثلي كثيرون. قصة جيل عملاق كافحوا في هذه الأرض وحدهم، لم يدعمهم أحد، ولم ترسل لهم إغاثة، ولم يستقبلوا لاجئين، ولم تسأل عنهم الأمم المتحدة، رفعوا راية التوحيد التي رفعها لهم الملك عبدالعزيز - بإذن الله -، وصبروا عليها وعلى ضنك الدنيا، في وقت كانت الشعوب حولنا وخلف أقرب حدودنا في الشمال والجنوب تعيش في رغد من العيش، ونحن في مناطق المملكة نموت جوعا.
ومع هذا العهد السلماني الزاهر، وتحول البلاد إلى دوله عصرية فعلا، نجد من أخذه الحسد كل مأخذ حتى باع الرجل منهم أرضه ودينه وعروبته لإيران بأرخص الأثمان.
ورغم العدو المتربص والخائن الأرعن، إلا أنه يبقى شعب المملكة اليوم رغما عنهم وفي يومه الوطني، على العهد وعلى ما بدأنا به من قبل، تعزيزا للوحدة الوطنية والجبهة الداخلية. وبينما كان آباؤنا وأجدادنا يموتون جوعا ولم ترسل لهم إغاثة أملا في ترك هذه الوحدة وعزل الملك عبدالعزيز، رفض الجميع وصبروا على شظف الحياة وقلة ذات اليد لنعيش نحن في يومنا الوطني هذا. وبعد 89 عاما تحت ظل هذه الراية نقولها بعزة، لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم "نحمد الله وحده جت على ما نتمنى"، وعلينا اليوم في أرض الوحي والإسلام ودونها رجال ترى الموت شهادة، أن نسلم الراية في الأيام الوطنية المقبلة لعقود ودهور - بإذن الله - إلى الأبناء خفاقة كما تسلمناها من الآباء في عزة وشموخ.

إنشرها