من يشكل خطرا على «طريقة حياتنا»؟

|


لم يكن الإعلام الغربي متحزبا ومتعصبا مثلما ما هو عليه اليوم. خطوط المشايعة والموالاة لونها أحمر داكن، عبورها من أي طرف له تبعات سياسية واجتماعية وثقافية.
الصراع في درب السياسة والحكم جزء من تكويننا كبشر. وأسس هذا الصراع، وعلى وجه الخصوص على مستوى الخطاب الإعلامي النزيه يجب ألا تكون غايتها الإقصاء وإلقاء اللوم على طرف محدد دون آخر. وإلقاء اللوم يقع أكثر ما يقع عندما نتحزب بتعصب إلى ما نحن عليه. وعندما نتعصب، نفقد الرؤية ونغلق باب التعقل والحوار، ولا نرى إلا ما نريد أن نراه.
وقد لا يعلم البعض أن المتحزب والمتعصب لما لديه والرافض لما لدى الآخر يخاف على طريقة حياته ويخشى أن يسلبها منه الآخر، مهما كان ضعف "الآخر".
ما دعاني إلى وضع رسالة هذا الأسبوع ضمن الإطار النظري أعلاه هو ما يحدث في المجتمعات الغربية المتمدنة والمتحضرة التي تملك ناصية العلم والمعرفة والتكنولوجيا الفائقة.
وما حثني على الكتابة في هذا الموضوع بالذات هو العبارة التي صار الإعلام الغربي يرددها كثيرا، لتبيان مدى خشية شريحة كبيرة من الغربيين على ما يسمونه our way of life "طريقة حياتنا".
صار الغربيون اليوم يخشون على طريقة حياتهم. ومن يشكل خطرا على طريقة حياتهم يا ترى؟
قد يخال للبعض أن الخطر مقبل من تنامي الحركات اليمينية المتطرفة ذات النزعة القومية الشوفينية التي تمسك بزمام القيادة في عدة دول غربية.
أو قد يرى البعض أن الخطر مقبل من إمكانية اندلاع نزاع مسلح بين الأمم الغربية ذاتها، يلجأ فيه الأقوياء إلى استخدام أسلحتهم الفتاكة من بينها القنابل الذرية. بعد مضي أكثر من نصف قرن على الحرب العالمية الثانية، بعض الناس هنا يعيد ذكراها وما رافقها من جرائم مروعة وقتل وحشي وحرق جماعي لملايين الناس الأبرياء وهم أحياء.
لا هذا ولا ذاك. يعزو الغربيون الخطر المحدق بديارهم إلى أضعف الحلقات في مجتمعاتهم ألا وهم "اللاجئون والمهاجرون". في هؤلاء، يرى كثير من الغربيين اليوم خطرا ويخشونهم ويحاربونهم.
ألم أقل إن التعصب والتطرف يبث الخوف والخشية في أصحابهما ما يضطرهما إلى إلقاء اللوم على المستضعفين وغير المحصنين في المجتمع؟ وأخذت عبارة "الحفاظ على طريقة حياتنا" تثير الاهتمام وتجذب النظر وصارت ذات قيمة سياسية، مرددها يحصل على أصوات كثيرة في الانتخابات وقد تؤدي به إلى تبوؤ كرسي الحكم كما هو الشأن اليوم في عدد من الدول الغربية.
وعندما نقرأ الدساتير والقوانين الأوروبية نلحظ مسألة أن يكون للأشخاص والمجموعات طرائقهم الخاصة والمختلفة في الحياة و تتربع الحريات ولوائح حقوق الإنسان التي تفتخر بها المجتمعات الغربية.
بمعنى آخر، هناك أكثر من طريقة حياة ويجب على صاحب أي طريقة أن يحترم الطريقة الأخرى. أين الحرية عندما نفرض طريقة حياتنا على الآخرين، أو نعادي أو نقصي الآخرين لأننا نرى أن طريقة حياتهم تشكل خطرا على طريقة حياتنا؟
وما قيمة الحرية التي نتبجح بها عندما نرى أن الخطر على طريقة حياتنا، ونحن نمثل الأغلبية وبيدنا السلطة؟ تأتي من أقلية هي في الأساس مضطهدة، وأفضل توصيف لها تأتي ضمن الأطر الخطابية التي تحوم حول مفردات مثل immigrants, refugees, aliens "مهاجرون، غرباء، لاجئون".
ومن ثم نلقي اللوم على ما نعانيه من أزمات ومشكلات على هؤلاء المهاجرين الذين استجاروا بنا، ونجعل منهم ومن ضعفهم وقلة حيلتهم منصة لتمرير أجنداتنا السياسية والأيديولوجية.
وهكذا عندما لاحظ الليبراليون والمسؤولون من التكنوقراط في الغرب أن اليمين المتطرف يشتد عوده وتزداد أعداد مناصريه على حسابهم، استعاروا الأطر الخطابية ذاتها للتعويض عن ضمور شعبيتهم.
الأقوياء لا يملكون السلطة والقوة والجاه فحسب بل يفرضون خطابهم ووجهة نظرهم.
لم أكن أصدق أن خطاب اليمين المتطرف في الغرب سيكون له تأثير لدرجة أن تأخذ مفوضية الاتحاد الأوروبي بما هو متداول من مفرداته وأطره الخطابية وتذهب إلى حد تشكيل مفوضية خاصة لحماية "الطريقة الأوروبية للحياة،" وكأننا من السذاجة بمكان كي نصدق أن طريقة الحياة في بلغاريا وكرواتيا وقبرص ورومانيا وإيطاليا هي الطريقة ذاتها في فنلندا أو السويد أو النرويج.
ليست هناك طريقة حياة واحدة حتى في بلد واحد. هناك طريقة حياة واحدة فقط عند المتطرفين والمتعصبين الذين لا يقبلون طريقة حياة أخرى ويلقون باللوم على طريقة الحياة البريئة التي يتبعها الضعفاء من المهاجرين والغرباء واللاجئين في مجتمعاتهم.

إنشرها