توصية الصندوق وتوطين الاستشارات

|
كاتب ومستشار اقتصادي


لعل من الجميل أن يتم قصر عمل الاستشارات على ذوي الخبرة والشركات الوطنية السعودية في التوقيت نفسه الذي صدر فيه التقرير الدوري لصندوق النقد عن الاقتصاد السعودي موصيا برفع ضريبة القيمة المضافة إلى 10 بدلا من 5 في المائة.
ولنبدأ من الثانية، وهي توصيـة الصـندوق للمملكة برفع ضريبة القيمـة المضافة من 5 إلى 10 في المائة، فمن خلال متابعتي لردة فعل الاقتصاديين الوطنيين فالجميع يرفض هذه التوصية ويرى عدم مناسبتها، ورأيي الشخصي ضدها بالتأكيد فاقتصادنا بحاجة إلى خطة تحفيز مالية وموعود بإنفاق يجاوز التريليون ريال في بداية العام مع إعلان الميزانية، كما أن توفير فرص العمل خلال العام بطيء، والبطالة متأرجحة، وكان المنتظر من الصندوق أخذ هذه المؤشرات في الحسبان بدلا من مفاجأتنا بتوصية أجمع الكل على عدم مناسبتها.
بالتأكيد لا يمكن القول إن الصندوق لا يضم خبرات ومؤهلين، لكن ما يمكن تأكيده أن الصندوق في توصياته يهتم بالجانب المالي وليس الجانب الاقتصادي وبينهما فرق كبير، كما أن من الواضح أن خبراء الصندوق يطبقون السياسة الواحدة والتوصية الواحدة على جميع الدول التي يعملون معها دون النظر إلى معايير أخرى، ولهذا فالرأي الاقتصادي عندنا يكاد يجمع على أن توصية الصندوق ليس لها مبرر خصوصا في هذا التوقيت الذي يحتاج فيه الاقتصاد إلى التحفيز لا زيادة الركود، وهو ما لم يحسب حسابه الصندوق في توصيته.
عودة إلى قصر الاستشارات على الخبرات والشركات الوطنية، فهو قرار جاء في موعده فعلا، فخلال الـ20 عاما الماضية التي كان يتم فيها توطين عدد من الأنشطة والوظائف كانت الاستشارات منسية وكانت مكاتب الاستشارات الأجنبية تزداد عندنا كما ونوعا، حتى أصبح عند كل جهة حكومية وشركة كبيرة مكتب استشارات أجنبي إن لم يكن أكثر من واحد.
وما يقال عن صندوق النقد إنه لا يهتم بالناحية الاجتماعية ولا يأخذ في الحسبان التأثير السلبي في الطبقات الأقل دخلا يمكن قوله عن مكاتب ووكالات الاستشارات الأجنبية، إضافة إلى أن هذه المكاتب لا تعرف ثقافة المجتمع ولا تنطلق استشاراتها من هذه الثقافة، ولذا فأغلبية توصياتها الاستشارية تبقى حبيسة الرفوف لصعوبتها أو عدم مناسبتها لثقافتنا أو لمساسها بالطبقات الأقل دخلا أو لعدم تماشيها مع أنظمة أجهزة أخرى يتقاطع عملها مع الجهة طالبة الاستشارة.
وملاحظتي الشخصية هنا أن وكالات الاستشارات الأجنبية تأخذ الحلول والتوصيات من أفواه المسؤولين والمختصين السعوديين الذين تقابلهم أو تدعوهم لورش العمل التي تقيمها لتعيد صياغتها وإبرازها بشكل جذاب وتقدمها للجهة طالبة الاستشارة على أنها من أفكار الوكالة وخبرائها. كما أن الوكالات العالمية ذات الأسماء الكبيرة أصبحت تعتمد على الاسم الكبير وتوظف وترسل لنا خبراء عربا ليسوا بتلك الكفاءة التي نعتقدها حينما نسمع الاسم الكبير والرنان للوكالة.
وحتى لا نظلم الوكالات والمكاتب الاستشارية العالمية التي عملت أو ما زالت تعمل عندنا، فلديهم حسنات منها: أنهم يتبعون منهجية علمية جيدة في عمل الاستشارات، ويخدمون الاستشارة بعرض أبرز التجارب العالمية في المجال الذي يقدمون فيه الاستشارة، كما أنهم ملتزمون بشكل دقيق بالجدول الزمني لتسليم الاستشارة للجهة طالبة الاستشارة، والأخيرة تجعل التعامل معهم مريحا مقارنة ببعض مكاتب الاستشارات المحلية التي لا تلتزم بالجدول الزمني لمراحل تسليم الاستشارة وهو ما وقفت على بعضه شخصيا.
ختاما: القرار جاء لمصلحة المكاتب الاستشارية والخبرات الوطنية، ولهذا فإن القطاع الاستشاري عليه أن يستفيد من ذلك ويتكتل مع بعضه بعضا لإيجاد كيانات استشارية كبيرة ومنافسة وقادرة على تقديم الاستشارات بمعايير ومنهجيات عالمية، كما أن الوزراء ومسؤولي الحكومة الكبار عليهم دور ومسؤولية كبيرة لمد أيديهم إلى مكاتبنا ومستشارينا الوطنيين وتفضيلهم، فـ"ما حك جلدك مثل ظفرك".. و"أهل مكة أدرى بشعابها"، كما يقولون.

إنشرها