السوق المالية السعودية .. وتبدل القوى

|

الأسواق المالية مثلها مثل أي أداة في الحياة عرضة للتطور والتحديث والتجدد، لذلك الأسواق المالية قبل قرن ليست مثل التي هي عليها اليوم، والتطور الذي حصل على كل النواحي يجعل الأسواق المالية مستمرة لتواكب الاحتياجات والتغيرات في الاقتصاد ككل، مع بقاء الأساسيات موجودة.
عند النظر إلى السوق المالية السعودية نجد أنها شهدت عدة تحولات تاريخية لن أتطرق إليها الآن، لكن نحن الآن ومنذ عامين تقريبا وخلال الأعوام القليلة المقبلة نشهد وسنشهد تحولات ضخمة تجري بشكل متسارع، كنت قد تكلمت عن بعضها في مقال سابق بعنوان: "2017 عام حافل على السوق المالية السعودية" عددت فيه 14 حدثا وقرارا مؤثرا في مستقبل السوق وما زال هناك مزيد ومزيد. في اعتقادي أن التطورات التي حصلت وستحصل للسوق ستجعل قواعد اللعبة في السوق وهيكلة السوق مختلفة ومعادلة القوى مختلفة تماما، وسأذكر هنا أهم المؤثرات التي أتوقع أنها ستكون مهمة ومغيرة لقواعد التداول وموازين القوى خلال الأعوام المقبلة:
1 - انفتاح السوق للمستثمرين الأجانب، وهذا تم وسيزيد مع اكتمال الانضمام إلى مؤشرات الأسواق الناشئة وزيادة تدفق الأموال الأجنبية إلى السوق، ومهما تم من تنظيمات ستكون لاعبا قويا في حركة السوق واتجاهاتها وتزيد تناغم حركة السوق مع حركة الأسواق الناشئة بشكل أكثر. وحسب تصريح المهندس خالد الحصان الرئيس التنفيذي لـ"تداول" فإن حجم الأموال التي تدفقت على السوق من جراء الإدراج حتى أيلول (سبتمبر) في حدود 100 مليار ريال منها 60 مليارا استثمارات خاملة و40 مليارا استثمارات نشطة، هذه الأرقام كبيرة جدا خصوصا على مستوى الاستثمارات النشطة التي لم يتوقع أحد دخولها بهذا الحجم، وهنا تبرز قوة تأثير هذه الأموال التي في حال قررت تخفيف أو تصفية مراكزها فإنها ستؤثر بشكل كبير جدا في السوق ومن المحتمل أن تزيد أحجام هذه الأموال مستقبلا.
2 - الأدوات المالية والمشتقات: أقرت "تداول" إطلاق سوق للمشتقات المالية وهي عبارة عن العقود الآجلة، والعقود المستقبلية وعقود الخيار، مع أنها لم تفعل بشكل واضح إلا أنها تسير باتجاه وجودها في السوق. هذه العقود تؤثر بشكل كبير في التداولات خصوصا عند الارتفاعات والانخفاضات الكبيرة كذلك، وهنا سيجد المتداولون قوة لم تكن موجودة من قبل.
3 - التقنية المالية: لعل أبرز الأمثلة لها "حاليا" هو المستشار الآلي واستخدام الذكاء الاصطناعي في التداولات، إن هذا العامل ما زال لم يفعل لدينا في السوق لكنني متأكد من حضوره قريبا إلينا وهو معتمد لدى أكبر مديري الاستثمار في العالم، ومن مميزاته سرعته الرهيبة في قراءة البيانات وتحليلها ومن ثم سرعة اتخاذ القرار. وهذه الحواسيب الذكية تتطور بشكل متسارع، وعموما الذكاء الاصطناعي سيكون طاغيا على كثير من الأعمال وحاليا هيئة السوق المالية وعبر مختبر التقنية المالية تستقبل الشركات التي تود طرح هذه الخدمة وهو ما أعتقد حال وجوده في السوق سيغير القواعد ويزيد التحدي في سرعة اتخاذ القرار وهذا تحد لسنا وحدنا سنواجهه بل جميع الأسواق العالمية "من ينفذ أسرع؟".
4 - زيادة الشفافية والمساءلة والحوكمة: لاحظنا كيف أثرت تطبيقات الحوكمة في شركات السوق وبالتالي قللت كثيرا من الممارسات غير العادلة وزادت حماية حقوق المساهمين وإن ظل هناك مزيد لعمله، والذي أراهن عليه خلال الأعوام المقبلة تأثير زيادة الوعي لدى المساهمين والمستثمرين وهو ما سيرفع من أداء مجالس الإدارات وبالتالي الإدارات التنفيذية وأداء الشركة في نهاية الأمر، وإن لم يكن وراء الشركة مساهمون متفاعلون مع المجلس ويسألون ويقررون فلن يوجد الدافع للتحسين المستمر، ولذلك أتوقع أن يكون للمساهمين تأثير قوي في السوق.
5 - الإدراجات النوعية: السوق بحاجة إلى مزيد من الشركات خصوصا الشركات ذات الوزن، السوق السعودية اليوم بهيكلتها الحالية لا تعكس أبدا الاقتصاد المحلي، فعلى سبيل المثال القطاع المصرفي يشكل نحو 50 في المائة من وزن السوق وهو وزن لا يعكسه القطاع المصرفي في الاقتصاد رغم أهميته بلا شك، فاقتصاد السعودية ليس اقتصادا قائما على الخدمات المالية، ولهذا فالسوق يوجد فيها خلل في هذه الناحية الهيكلية، ولو رجعنا إلى الماضي كان قطاع التشييد والبناء أحد أكبر المحركات في الاقتصاد لكن لا يوجد أي تمثيل ووزن له في السوق السعودية ما عدا شركات بسيطة جدا. واليوم نحتاج إلى تمثيل أكثر قربا من واقع الاقتصاد، ولعل إدراج شركة أرامكو سيعالج جزءا مهما من هذا الخلل لكن نحتاج إلى مزيد من الشركات القوية، والذي أتوقعه انضمام كثير من الشركات النوعية القوية إلى السوق خلال الأعوام المقبلة، بقيادة وتفعيل من صندوق الاستثمارات العامة وهو ما سيعيد ترتيب أوزان القطاعات في السوق إلى أوزان أكثر واقعية ويخفف تأثير القطاع المصرفي في السوق ويزيد العمق وبالتالي سيزيد تدفق الاستثمارات إلى السوق وبذلك ستتغير معادلات القوى، ولا ننسى سعي "تداول" إلى اجتذاب شركات من خارج السعودية لتكون السوق السعودية السوق المفضلة للإدراجات على مستوى المنطقة.
هذه بعض المؤثرات التي أتوقع أنها ستحكم وتغير من شكل السوق السعودية ومن معادلة القوى، وهناك أشياء لم أتكلم عنها مثل تطبيق فكرة فك احتكار شركة تداول على السوق ووجود أسواق أخرى تدار عن طريق جهات مختلفة وغيرها لكن ركزت على المؤثرات الخمسة التي أرى تحققها مستقبلا، وبكل تأكيد لن تتم في عام ولا عامين لكن ستأخذ وقتا حتى يأتي اليوم الذي نتذكر فيه تداولات السوق السعودية، ونتعجب من التغيير الذي حصل لها بعد هذه الأعوام وقد نشبهه بتحول اليرقة إلى فراشة.

إنشرها