الصناعة التحويلية والجدل الدائر حول العولمة «2 من 3»

|


تسهم الصين بنحو نصف القيمة المضافة. ومساهمة الصين بحصة كبيرة في القيمة المضافة أدت إلى توفير فرص عمل لأعداد هائلة من العمالة منخفضة المهارات، وساعدت على دفع النمو الاقتصادي والحد من الفقر. إذن كانت نتيجة تفكيك عملية الإنتاج هي تمكين كثير من الأنشطة كثيفة التشغيل للعمالة من الاستقرار في الصين، وتعزيز قدرة هذا البلد على الاستفادة من ميزته التنافسية.
وفيتنام هي الأخرى من اقتصادات الأسواق الصاعدة التي تدخل في سلاسل القيمة العالمية بشكل عميق. وبعد إصلاحاتها الموجهة نحو السوق وبدء الانفتاح أمام التجارة العالمية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، جذبت هي وفيتنام استثمارات كبرى لشركات أجنبية، مثل شركة سامسونج الكورية، التي تبحث عن موقع منخفض التكلفة لعمليات تجميع كثيفة الاستخدام للعمالة. ويساور صناع السياسات في فيتنام قلق من المكوث في مستوى التجميع المنخفض، لكن يتضح من تحليل سلسلة الإنتاج أن هناك روابط استرجاعية ممتدة، أي إن هناك كثيرا من الشركات التي تبيع للمصدرين لكنها لا تصدر هي ذاتها.
وفي 2012، كان هناك نحو خمسة ملايين عامل فيتنامي يعملون في شركات تصنيع بغرض التصدير، أما عدد العاملين في شركات تبيع منتجاتها للمصدرين فكان أعلى بكثير حيث بلغ سبعة ملايين عامل. ولهذه الروابط انعكاسات مهمة على السياسات. وعلى الرغم من أن الاقتصادات النامية لا تزال تضع حواجز أعلى أمام الواردات مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، فهي تقر بأن المصدرين لديها في حاجة إلى الحصول على أفضل المدخلات المستوردة إذا رغبوا في دخول مضمار المنافسة العالمية. ويعمد كثير من الاقتصادات إلى حل هذه المشكلة عن طريق إنشاء مناطق اقتصادية مختصة يحصل المصدرون فيها على القطع المستوردة دون رسوم جمركية. ومن الأمثلة التقليدية على ذلك مدينة شينزين الصينية. ومع هذا، فمن الأفضل تحرير الاقتصاد كله حتى يتمكن المصدرون غير المباشرين ومنتجو السلع التي تباع في السوق المحلية من الحصول كذلك على أفضل المدخلات.
ويعود نمو سلاسل القيمة العالمية كذلك بالنفع على الاقتصادات المتقدمة، التي تركز في الأغلب على الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية، مثل التكنولوجيا المتقدمة، والخدمات المالية، ومكونات الصناعة التحويلية المتطورة، والتسويق والخدمات. ومع هذا، هناك فائزون وخاسرون.
فالدراسات توصلت إلى أن الولايات المتحدة فقدت الوظائف التي تتطلب مهارات متوسطة في مجال الصناعة التحويلية بسبب التجارة مع الصين والاقتصادات التي تسهم في سلاسل القيمة الخاصة بها، بينما توافرت لديها وظائف تتطلب مهارات عالية في مجال الصناعة التحويلية والخدمات، فظل مجموع الوظائف دون تغيير يذكر.
وارتفعت رواتب العمالة الأمريكية الحاصلة على تعليم جامعي، بينما تراجعت أجور العاملين ذوي المستويات التعليمية دون الجامعية.
ولم يقتصر هذا التأثير في الولايات المتحدة. ففي الفترة بين 1995 و2015، عندما كانت اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بصدد الانفتاح أمام توسع التجارة وسلاسل القيمة، توافر في الاقتصادات المتقدمة عدد أكبر من الوظائف التي تتطلب مهارات عالية ومهارات منخفضة، وعدد أقل من الوظائف التي تتطلب مهارات متوسطة. ولم يكن ذلك كله نتيجة للتجارة، إذ يؤكد كثير من الدراسات الدور المهيمن للتغير التكنولوجي. وأصبحت الوظائف التي تتطلب مهارات متوسطة لأداء المهام الروتينية المتكررة هي الأسهل في تحويلها إلى التشغيل الآلي أو نقلها إلى بلدان تمنح أجورا منخفضة، ما يسمح لأصحاب العمل بتخفيض التكاليف. أما الأنشطة التي ظلت باقية في الاقتصادات المتقدمة فكانت أكثرها تكنولوجية -وكثيفة الاعتماد على المهارات.
إضافة إلى ذلك، كان من الصعب تطبيق وسائل التشغيل الآلي أو الاستعانة بمصادر خارجية لأداء كثير من الوظائف التي تتطلب مهارات منخفضة في مجالات الإنشاءات والرعاية الصحية والضيافة. والتصورات بشأن عواقب توسع التجارة وسلاسل القيمة على التوزيع تثير ردود الأفعال العنيفة ضد العولمة وتدفع إلى المناداة بوضع حواجز تجارية في البلدان الغنية. لكن الحمائية كانت دائما استراتيجية رديئة قبل ظهور سلاسل القيمة العالمية، وأصبحت استراتيجية أسوأ الآن. ولننظر على سبيل المثال إلى نسبة التعريفات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على الصين في 2018 وهي 25 في المائة على واردات بقيمة 50 مليار دولار و10 في المائة على واردات إضافية بقيمة 200 مليار دولار. وتتضمن القطع والمكونات 37 في المائة من واردات الولايات المتحدة من الصين، وقائمة المنتجات الخاضعة للضريبة يبدو أنها مائلة بشكل ملموس نحو هذه البنود التي تستخدمها الشركات الأمريكية لتزيد من قدرتها التنافسية. وانتقلت آثار تكلفة التعريفات الجمركية إلى الشركات الأمريكية التي خسرت مبيعات نتيجة لذلك.
وكان هذا هو الوضع حتى قبل أن يفضي انتقام الصين إلى مزيد من الخسائر التي تكبدها المصدرون الأمريكيون... يتبع.

إنشرها