«بريكست» من الفوضى إلى «الحرب»

|


"تشبيه بوريس جونسون نفسه بونستون تشرتشل غير لائق"
نيكولاس سيمونس، نائب محافظ، وحفيد تشرتشل

ضجت الساحة السياسية مطلع الشهر الجاري عندما أقدم بوريس جونسون رئيس الوزراء الذي لا يزال جديدا على طرد 21 نائبا من حزب المحافظين الذي يتزعمه، لأنهم صوتوا على مشروع قرار في مجلس العموم (البرلمان) يجبره على تمديد بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، إذا ما فشل في إتمام صفقة مع الاتحاد قبل منتصف الشهر المقبل. القرار نفسه يتضمن بندا مرعبا لجونسون وهو استحالة الانسحاب من الكتلة الأوروبية دون اتفاق. بين النواب المطرودين وزراء مالية وعدل وعمل سابقون، بمن فيهم كنيث كلارك الذي يسمى في بريطانيا "والد مجلس العموم" أو Father of the house. وهو يتحلى هذه الصفة باعتباره الأكبر سنا بين جميع النواب. وممن طرد أيضا النائب نيكولاس سيمونس حفيد رئيس الوزراء الأشهر ونستون تشرتشل،
بعدها بساعات قدم نائب ووزير في حكومة جونسون استقالته، لأنه لا يستطيع المواءمة بين التزامه العائلي ومصلحة المملكة المتحدة، هذا المسؤول ببساطة هو جو جونسون الشقيق الأصغر لرئيس الوزراء نفسه. مشروع قرار استحالة انسحاب بريطانيا بلا اتفاق مر على "العموم" وعلى مجلس اللوردات وحصل على الموافقة الملكية. وهو بذلك صار قانونا لا يمكن لأي حكومة أن تتجاوزه بصرف النظر عن أي مبررات تسوقها. وإذا ما قرر جونسون بالفعل عدم قبول القانون سيقدم للمحاكمة "وهي جاهزة من باب الاحتياط"، وإذا أصر بعد المحاكمة على رفض هذا القانون، من المرجح سيحكم عليه بالسجن! نعم السجن. فإذا كانت الحكومة الجهة الأكبر في حماية القانون (أي قانون)، فكيف تجرؤ على تحديه؟!
قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" أحدثت كما شهد العالم كله فوضى لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد الحديث. القضية نفسها هي الأهم قاطبة منذ الحرب العالمية الثانية. هذه الفوضى السياسية التي تعيشها المملكة المتحدة تطورت الآن لتصل إلى مرحلة "الحرب السياسية"، في ظل أزمة دستورية هي أيضا تاريخية. يريد جونسون انتخابات عامة مبكرة، عله يستطيع أن يحظى بأغلبية ولو بسيطة تمكنه من تجاوز البرلمان المؤيد القوي لـ"بريكست" لكن باتفاق. إلا أنه فشل أيضا في تمرير مشروع قرار الانتخابات، لأن البرلمان وضع شرطا يتعلق باستكمال خطوات الخروج البريطاني أولا، وبعد ذلك يمكن إجراء الانتخابات في أي وقت تريده الحكومة. هذه الإخفاقات البرلمانية التي تعرض لها جونسون في غضون أسبوع واحد فقط تدخله التاريخ كأول رئيس وزراء يخسر برلمانيا بهذه السرعة "الضوئية".
حشر بوريس جونسون نفسه في الزاوية، ليس بسبب الموقف البرلماني الصارم منه ومن حكومته "البريكستية"، بل باتباعه استراتيجية "حافة الهاوية". وإذا كانت مثل هذه الاستراتيجية قد تنفع أحيانا في ساحات سياسية خارج بريطانيا، فإن الوضع يختلف في هذا البلد. وبالتأكيد لم يقرأ رئيس الوزراء بروية المشهد العام لبلاده ودروس التاريخ فيه. كما أن حملاته "التخويفية" من وصول جيرمي كوربين زعيم حزب العمال المعارض إلى الحكم بدلا منه، انقلبت عليه أيضا، عندما صوت نواب مؤثرون من حزبه إلى جانب مشروع قرار منع الخروج بلا اتفاق الذي قدمه حزب العمال. ويبدو واضحا أن جونسون يخسر كل أدواته بينما يتحدث المراقبون المختصون عن إمكانية أن يدخل هذا الأخير التاريخ مرة أخرى كأسرع رئيس وزراء يخرج من الحكم.
يقول كنيث كلارك "والد مجلس العموم" في مداخلة برلمانية فارقة بالفعل، موجها كلامه لجونسون "أنت اليوم رئيس الوزراء وسياسي مسؤول، عليك التوقف عن إدارة مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كلعبة". ويضيف "إنها القضية الأهم في تاريخ البلاد الحديث، وتتعلق بمستقبل أبنائنا وأحفادنا". جونسون يتحجج بأن قرار البرلمان منع الخروج من الاتحاد بلا اتفاق يكبل يديه في المفاوضات مع المفوضية الأوروبية. فإبقاء خيار الخروج دون اتفاق على الطاولة، سيسهل عليه التفاوض حسب قوله. لكن المشكلة أن الأوروبيين أعلنوا رسميا أنه لم يقدم أي مبادرة جديدة للتفاوض، وأنهم "يبحثون" فعلا عن فريق التفاوض البريطاني الغائب عن الساحة! وقد فشل جونسون في طرح أي مبادرة على مجلس العموم، لأنه (بحسب المتمردين المحافظين) ليست لديه واحدة أصلا.
ومنذ وصوله إلى حكم البلاد قبل شهرين تقريبا، أظهر كثير من الوثائق المسربة أن رئيس الوزراء يعمل على وضع خطط الانسحاب بلا اتفاق، ولا شيء آخر. وهذا ما دفع آمبر رود وزيرة العمل المحورية إلى الاستقالة من حكومته في ضربة جديدة له، لأنها ببساطة لم تجد في الحكومة أي خطة للاتفاق، وكل ما وجدته خطط انسحاب بلا اتفاق وما بعده. الحرب السياسية الراهنة في بريطانيا لم تعد بين الحكومة والمعارضة، بل صارت بصورة مخيفة بين نواب حزب المحافظين أنفسهم. فأولئك الباحثون عن انسحاب باتفاق، باتوا متأكدين أنه لا ينقص المحافظين حاليا سوى تغيير اسم حزبهم إلى "حزب بريكست"، وهو أمر لن يسمحوا بحدوثه حتى لو خسروا حياتهم السياسية إلى الأبد.

إنشرها