مصادر المياه والتنمية في المملكة

|


شهدت المملكة قفزات تنموية رائعة في المجالات كافة، ولا يزال المجتمع السعودي - قيادة وشعبا - يطمح لمزيد من الإنجازات ويرغب في بناء المشاريع التنموية على أسس مؤسسية راسخة تتسم بالاستدامة وجودة المخرجات. ومن هذا المنطلق، جاءت "رؤية 2030" لتكمل مسيرة الإنجازات، وتعزز الأثر الاجتماعي من خلال رفع معدلات المشاركة، وترشيد الاستهلاك، وزيادة الإنتاجية.
لا شك أن الأمن الغذائي مطلب وطني، سعت الدولة إلى تحقيق ذلك من خلال تشجيع الزراعة خلال العقود الأخيرة من القرن الميلادي المنصرم، ما أدى إلى زيادة إنتاج التمور والحبوب والأعلاف، لكن لم تلبث الدولة أن اكتشفت ظهور بعض النتائج السلبية في الموارد المائية بسبب الاندفاع نحو تحقيق الأمن الغذائي دون مراعاة للأمن المائي الذي يعد أكثر أهمية وخطورة. فلا يمكن الوصول إلى استدامة التنمية دون توافر مصادر مياه كافية.
ومن ملامح نتائج سياسات القمح والتوسع الزراعي غير المدروس، أن نضبت بعض موارد المياه وجفت العيون التي كانت مياهها تتدفق فوق سطح الأرض، مثل عيون الأفلاج التي كانت بحيرات وسط الصحراء، وكذلك عيون الخرج، وعيون الأحساء. مشاهد مؤلمة لمن رأى هذه العيون في الماضي ويزورها في الوقت الحاضر. لا يقتصر الأمر على العيون، بل أصبحت بعض مزارع النخيل في القرى والواحات أشباحا وأطلالا بسبب شح المياه ونضوب الآبار.
وبعد استشعار خطورة استنزاف الموارد المائية، انطلقت مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي السعودي في الخارج من خلال تقديم تسهيلات ائتمانية وتمويل ميسر للمستثمرين السعوديين، وذلك من أجل تحقيق الأمن الغذائي وتوفير مخزون استراتيجي آمن من السلع الغذائية الاستراتيجية. وننتظر نتائج كبيرة لهذه المبادرة وإعادة تقييمها ومراجعتها من قبل الجهات المسؤولة.
على أي حال، تبقى تنمية الموارد المائية من الأولويات التنموية في المملكة، خاصة مع تناقص المياه السطحية والجوفية وتزايد الاستهلاك نتيجة النمو السكاني وعدم اتباع أساليب فاعلة في الري، ناهيك عن ضعف جهود معالجة مياه الصرف الصحي. ينبغي عدم الاكتفاء بذلك، بل كان من المؤمل أن تكون المملكة مرجعية دولية في تحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية التي تتمتع بها.
ختاما، من يقول إن السياسات الزراعية في الماضي لم تؤثر سلبا في مخزون المياه الجوفية أو يدعي أن الموارد المائية الجوفية غير قابلة للنضوب خلال الأعوام المقبلة، فإن قوله يحتاج إلى إعادة نظر، ويتطلب الدليل العلمي من خلال نتائج الدراسات العلمية الجادة، خاصة أن المملكة، ومعظم الدول العربية عموما، تعاني شح المياه.

إنشرها