فصل الصناعة عن الطاقة

|
كاتب ومستشار اقتصادي


بأمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز تم هذا الأسبوع فصل الصناعة عن الطاقة وإنشاء وزارة مختصة بالصناعة والثروة المعدنية، وهو قرار نال إشادة الاقتصاديين ورجال الأعمال بعد أن نسيت الصناعة واختفت خلال الأعوام الأربعة الماضية تحت مظلة الطاقة.
ومع الأسف فإن الصناعة خرجت من عباءة التجارة قبل أربعة أعوام، وقيل حينها إن توفيق الربيعة وزير التجارة والصناعة آنذاك لم يقدم شيئا للصناعة خلال أعوام وزارته لها مع التجارة؛ وركز كل جهوده على التجارة ومكافحة الغش التجاري الذي نجح فيه بدرجة كبيرة -وهو قول صحيح- وبالتأكيد لم يكن حظ الصناعة جيدا أيضا خلال الأعوام الأربعة الماضية تحت وزارة خالد الفالح الذي انشغل بالطاقة والنفط ولم يقدم شيئا ملموسا يمكن ذكره لخدمة وتطوير الصناعة.
الوزارة الجديدة التي اختير بندر الخريف لرئاستها تحمل اليوم لواء تطوير الصناعة بجزأيها التحويلي والاستخراجي، فالثروات المعدنية التي أنيطت بالوزارة الجديدة تقوم على الصناعة الاستخراجية، فيما يعني الشق الأول من اسم الوزارة: الصناعة التحويلية، وكاقتصادي فلست حفيا ولا مهتما بالنوع الأول وهو الصناعة الاستخراجية، فكل صناعة النفط الخام عندنا صناعة استخراجية، حيث ننتجه من الآبار ونرسله بشكله الخام لموانئ التصدير دون أي قيمة مضافة أو جهد يذكر.
ما يهمنا في هذه المرحلة هو تطوير الصناعة التحويلية، فالصناعة التحويلية هي مكمن ومستودع القيمة المضافة، وهي -أي القيمة المضافة– التي تجعل لإنتاجنا قيمة وتنافسية وموقعا وسمعة في السوق العالمية. والملاحظ اليوم أننا بعيدون أو متأخرون في الصناعة، وما زال النفط الخام هو عمود إنتاجنا وصادراتنا ومصدر حصولنا على العملة الصعبة التي نستورد بها كل ما نحتاج إليه، وهو الرافع والخافض لميزاننا التجاري فإن تحسنت أسعاره حقق الميزان فائضا وإن انخفضت الأسعار حقق الميزان عجزا مقابل العالم الآخر.
ورغم أن تصديرنا من البتروكيماويات يشكل نحو 8 في المائة من مجمل صادراتنا إلا أن البتروكيماويات لا يمكن الاعتماد عليها مصدرا مستقرا للعوائد بالعملة الصعبة لأنها تتبع النفط انخفاضا وصعودا فحينما ينخفض النفط ونحتاج إلى عوائدها نجدها انخفضت بدورها كذلك وبالنسبة نفسها تقريبا.
بقيت 8 في المائة من العوائد تأتي عن طريق السلع التي ليست نفطا ولا ترتبط بالنفط مثل البتروكيماويات، وأبرزها المعادن والتمور والحليب واللبن والبلاط والسخانات والأفياش والقواطع الكهربائية وبعض المنتجات الأخرى، وأسعار أغلب هذه المنتجات حين تصديرها تكون دون المتوسط العالمي لسعر الوحدة، كما أن المحتوى التقني فيها منخفض جدا، والسبب أن هذه السلع تصدر سلعا أولية بسيطة لا تحمل أي قيمة مضافة، كما أن الأسواق المجاورة التي تصدر لها هذه السلع قوتها الشرائية ضعيفة "عدا دول الخليج" ما يجعلها تباع دون سعر المتوسط العالمي لمثيلاتها.
وبالتأكيد تحتاج الصناعة التحويلية التي نعول على تطويرها اليوم إلى البحث العلمي، ولذا فإن طريق تطوير الصناعة والابتكار فيها يبدأ من الجامعات ومراكز البحوث والدراسات، وأتمنى ألا ينسى وزير الصناعة زيارة الجامعات والاستعانة بها في مهمته الجديدة، كما أن الصناعة التحويلية تخضع لسوق تنافسية شرسة، فالصين وكوريا وتايوان وغيرها منافسون أقوياء في كل الصناعات التي نستهدف تنميتها، ولذا فلا بد أن تنطلق استراتيجية صناعاتنا التحويلية من مزايا اقتصادنا المطلقة والنسبية، وهو أمر يجب أن تركز عليه استراتيجية التصنيع عندنا.
وأختم بالتهنئة لوزير الصناعة الجديد، وأهمس في أذنه بأن منحنى التعلم في الصناعة طويل جدا، والتنافسية فيها شرسة، والبحث العلمي الداعم للصناعة عندنا غائب أو مغيب تماما، والصين وشقيقاتها في شرق آسيا تملك ميزة العمل الرخيص ولا أحد يستطيع منافستها في رخص منتجاتها، والأسواق المجاورة لنا ليست داعمة للصناعة لأن قوتها الشرائية ضعيفة، وليس تعداد هذه العوائق بقصد إحباطك أيها الوزير، لكن لتنبيهك لتكون خطواتك الأولى محسوبة بدقة، واستراتيجية وزارتك للنهوض بالصناعة شاملة وقادرة على التغلب على كل العوائق، لتذهب بمساعديك وفريقك في الطريق الصحيح من أول يوم، فالأمر لا يحتمل التجربة والخطأ وكل تأخير في تطوير الصناعة ليس في مصلحتنا، وتمنياتي لكم بالتوفيق.

إنشرها