الطالب المسكين

|

رافقت في المرحلة الثانوية زميلا يعشق القراءة ويهواها. كانت الروايات والدواوين تزاحم الكتب الدراسية في حقيبته.
بعد أن تخرجنا اتجه معظمنا إلى تخصصات علمية وهندسية، بينما حرص "سعود" على الالتحاق بتخصص علم الاجتماع، رغم أنه كان قادرا على دراسة أي تخصص، نظرا إلى معدله العالي. بعضنا أشفق عليه إثر هذا الاختيار. هواجس ومخاوف عديدة خامرتنا، أبرزها؛ أنه لا توجد فرص وظيفية وفيرة لهذا التخصص، وأن رواتب أغلب خريجيه ضعيفة، ولا توجد نظرة إيجابية إلى دارسيه كالتي يحظى بها المهندس أو الطبيب - على سبيل المثال.
أذكر ذات مرة، دعوناه إلى مناسبة واعتذر بسبب ارتباطه بمشروع دراسي. عندما علم صديقنا المشترك عن عذر طالب علم الاجتماع، التفت إلينا وقال عبارة لا تغيب عن ذاكرتنا: "مسكين. يذاكر طوال الوقت، وفي النهاية سيطلب واسطتنا لنجد له وظيفة".
مرت الأعوام، وتخرج صاحبنا، وقبل معيدا مباشرة في كليته، وانتقل إلى استكمال دراساته العليا في الولايات المتحدة. وعندما كان يدرس استطاع أن يبرم اتفاقيات تعاون بين جامعته وعدة جامعات أمريكية في عدة مجالات، في ظل وعيه وحيويته. عاد إلى المملكة حاملا درجة الماجستير، واسما جميلا صنعه في جامعته. لم يستقر طويلا في المجال الأكاديمي. خطفته إحدى الشركات الاستشارية للاستفادة من علاقاته وخبرته، ليساعدها على أحد المشروعات الكبرى التي رست عليها في إحدى الجهات.
بعد نحو عامين من العمل الاستشاري الشاق، استطاع أن يلفت نظر الجهة ويتعين فيها في موقع قيادي، يحصل إثره على راتب مجز وبدلات عديدة.
يعد "سعود" اليوم أفضلنا دخلا وأكثرنا خبرة وعلاقات، بعد تجاربه المتنوعة وعمله الجاد وصعوده، وقبل ذلك توفيق الله له.
أتذكر "سعود" دائما كلما سألني أحد ما إذا كان ذلك التخصص مطلوبا في سوق العمل أم لا؟
يا صديقي؛ إن ما يصنع المطلوب هو كفاءتك وإصرارك وطموحك وتفانيك. كل جهد تبذله اليوم في شيء تحبه سيكافئك في الغد مكافأة لا تتخيلها.
اتعب الآن تسعد في المستقبل. آمن بنفسك وبما تفعل وستجد ما يسرك. كلام الآخرين لا يحدد مصيرك. إرادتك تفعل ذلك.

إنشرها