«بريكست» عندما يضرب دستوريا

|


"تعليق البرلمان البريطاني لأكثر من شهر، إهانة دستورية"
جون بيركو، رئيس مجلس برلمان المملكة المتحدة

الأسابيع المتبقية حتى نهاية تشـــرين الأول (أكتوبر) المقبل، ستكون مليئة بصراعات ومشاحنات واتهامات حتى تخوين على الساحة البريطانية. يمكن بسهولة اعتبار هذه الفترة تاريخية بالمعنى الشامل لهذا التوصيف. في الفترة الماضية، كانت أغلبية أجوبة المختصين عن أسئلة من نوع: كيف ترى شكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"؟ على شاكلة "لننتظر ونرى". وصارت هي الوحيدة تقريبا في المشاهد الحوارية التي لا تنتهي حول "بريكست"، ما يعني أن أحدا لا يعرف كيف ستخرج بريطانيا، ولا حتى يمكنه التكهن حول هذا الأمر. حتى إن مسؤولين في مناصبهم الرفيعة أصبحوا يرددون التعبير نفسه، ما جعلهم مثارا للسخرية. فإذا كان هؤلاء لا يعرفون شكل الخروج المشار إليه، فمن يعرف إذن؟!
المشهد العام لـ"بريكست" أخذ شكلا نادرا بالفعل في التاريخ البريطاني الحديث، عندما أعلن بوريس جونسون رئيس الوزراء الجديد أنه سيغلق مجلس العموم "البرلمان" لخمسة أسابيع، وبالفعل رفع طلبه هذا للملكة إليزابيث الثانية التي وافقت تلقائيا. وهذه الأخيرة لا تستطيع أن تتخذ موقفا مغايرا لموقف رئيس وزرائها، على الرغم من أنها تمتلك الحق في حل وتعليق وإغلاق البرلمان. لماذا؟ لأنها لا تقوى عمليا على التدخل في سياسة البلاد. فبقاء العرش البريطاني حيا إلى الآن، يقوم على هذه الجزئية الحساسة جدا. هذا العرش يمرر ما يريده رئيس الوزراء المكلف رسميا من قبل الملكة، ولا ينبغي أن يكون له رأي فيما يجري على الساحة السياسية، أو بمعنى أصح ما يجري من صراعات سياسية في البلاد.
رئيس الوزراء جونسون الآتي من أشد الجهات تطرفا ضد بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، عازم على المضي قدما في إغلاق البرلمان رغم كل الصدمات التي عبر عنها نواب هذا البرلمان بمن فيهم بعض نواب الحزب الذي يقوده جونسون نفسه. صحيح أن الدستور غير المكتوب يمنحه هذه القوة، لكن الصحيح أيضا أن بريطانيا تفخر بنظامها البرلماني تاريخيا، الذي تنظر إليه على أنه الأعلى جودة بين كل الأنظمة السياسية المعمول بها في العالم. وحجة إغلاق البرلمان هي ببساطة أن رئيس الوزراء لا يستطيع تمرير أي شيء يتعلق بالخروج من الاتحاد الأوروبي، خصوصا أنه يتجه إلى خروج بلا اتفاق، وهو أمر يمثل صاعقة عنيفة على أولئك الذين لا يرغبون في خروج بلادهم من هذا الاتحاد إلا باتفاق.
جونسون نفسه يواصل التحدي ويقول للنواب الذين يريدون تعطيل عمل حكومته حيال الخروج "أنتم لا تختارون إذا ما كان هذا الخروج سيتم أم لا". ومع هذا التحدي الذي يتسم بالقوة، هناك ثغرة خطيرة لا يمكن لرئيس الوزراء سدها، تتعلق بأنه لا يحظى بالأغلبية البرلمانية التي تضمن له تمرير ما يريد في هذا المجلس، وتحديدا لوجود نواب من حزبه قرروا علنا التصويت ضده. أمام هذا المشهد ليس له سوى اللجوء لإغلاق البرلمان فترة وجيزة، وعدم إعطاء الوقت لنواب المجلس لطرح مشاريع قرارات تحد من سلطاته أو تعطل إجراءاته، أو تقف في وجه الاستراتيجية التي يعتمدها لإتمام الخروج في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. هذا التاريخ عنده صار "مقدسا" لا يمكن الاقتراب منه. ناهيك أنه بوجود المجلس في هذه الفترة الحرجة، لا يمكنه الإجابة عن أسئلة محددة حول "بريكست".
ليس أمام أولئك النواب الذين يريدون ضرب جونسون برلمانيا سوى أربعة أيام فقط، قبل أن تبدأ مرحلة الإغلاق. وهذه الأيام هي الأهم بالفعل على صعيد أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هناك من رفع دعاوى قضائية لإيقاف الإغلاق مثل جون ميجور، رئيس الوزراء الأسبق وهناك من نظم مظاهرات كبيرة بالفعل في عدة مناطق من البر البريطاني في آن معا، تشجب خطوة إغلاق البرلمان وتعدها عارا على الديمقراطية البريطانية. فالذين لا يريدون خروج بلادهم من الاتحاد بلا اتفاق، يؤيدون في الوقت نفسه نتيجة الاستفتاء التاريخي عام 2016 الذي فاز به المؤيدون للخروج. المهم هنا ليس الخروج من عدمه، بل شكل هذا الانفصال الذي سيطر على الساحة الوطنية منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
مخاطر الانفصال بلا اتفاق لا تحصى، وتعترف بوجودها الحكومة نفسها من تكدس شاحنات وسفن وقطارات النقل، إلى النقص في الدواء والغذاء. ورغم أن الحكومة جنبت أموالا لمواجهة هذه الحالة التي ستظهر في الدقيقة الأولى للانسحاب، إلا أنها لا تستطيع أن تضمن تخفيف الأضرار المشار إليها. وتعليق البرلمان، يعني أن رئيس الوزراء سيمرر ما يريد دون مساءلة أو محاسبة، علما بأنه لم يصل إلى موقعه هذا عبر انتخابات عامة، بل عن طريق تصويت 80 ألف عضو فقط من حزب المحافظين، الذين يمثلون فعلا 0.6 في المائة من المجموع الكلي للناخبين، لكن هذا لم يعد مهما الآن. فإذا فشل النواب في الأيام الأربعة المتاحة لهم، فإن جونسون سيقود بريطانيا إلى انفصال حتمي بلا اتفاق. هذا هو هدفه الرئيس.

إنشرها