الأرقام الإحصائية قد تكون خداعة

|


قبل شهر تقريبا نشرت "الاقتصادية" تقريرا استنادا إلى بيانات أعلنتها الهيئة العامة للإحصاء عن إنفاق المستهلكين في السعودية خلال شهر أيار (مايو) من هذا العام الذي بلغ نحو 100 مليار ريال "للفترة التي ما بين شهري شعبان ورمضان"، مسجلا ارتفاعا مقداره 9.8 في المائة وبقيمة 8.9 مليار ريال، مقارنة بـ91.1 مليار ريال في الفترة نفسها من العام الماضي، كما أنه نما على أساس شهري بنحو 15.3 في المائة مقارنة بـ86.7 مليار ريال في نيسان (أبريل) من هذا العام، وفي المقابل أعلنت وزارة الإسكان خلال هذا العام ارتفاعا في أعداد الأسر السعودية من "2,900000" أسرة عام 2010 إلى "3,600000" أسرة منتصف عام 2018 بنسبة نمو بلغت 19.85 في المائة، وبحسب هذه الأرقام فإن حساب متوسط إنفاق الأسر السعودية بلغ أكثر من 27 ألف ريال، وهذا رقم كبير نسبيا، ويعني أيضا أن إنفاق الأسرة السعودية في العام عند المتوسط سيتجاوز 300 ألف ريال، فإذا كان متوسط دخل الأسرة السعودية وفقا لآخر إحصائيات بلغ 11 ألفا تقريبا أي 132 ألف ريال سنويا، ما يشير بكل وضوح إلى أن الأسرة السعودية الواحدة مضطرة لأن تقترض مبلغا يقارب 168 ألف ريال سنويا، وفي مقابل هذا ستصل القروض الاستهلاكية الإجمالية استنتاجا من هذه الأرقام والنسب إلى 600 مليار ريال، لكن الأرقام المعلنة عن القروض الاستهلاكية تقول إنها أعلى قليلا من 300 مليار، أي أن هناك مبلغا قدره 300 مليار أنفقته الأسر السعودية ولا نعرف مصدره، فكيف يمكن الجمع بين هذه الأرقام. وإجابة سريعة فإن هذا الأمر يشير بكل وضوح إلى الخداع الذي يمكن أن تقوم به الأرقام الإحصائية لو تم أخذها هكذا دون فهم عميق.
كنتيجة أولية أقول إنه من الواضح جدا أن التوزيع الذي يتبعه دخل وإنفاق الأسر ليس توزيعا طبيعيا أبدا، ولهذا فإن استخدام أرقام النزعة المركزية مثل المتوسط الحسابي سيكون مضللا إلى أبعد حد، وأي قرارات تتخذ على هذا الأساس ستكون خاطئة في أحسن الأحوال، ولفهم هذه المسألة لا بد من فهم معنى التوزيع الطبيعي أولا والتوزيعات غير الطبيعية. المجتمع الطبيعي متجانس بمعنى أن جميع الأفراد قريبون من بعضهم بعضا، فإذا قلنا إن متوسط الأجر في مجتمع هو 11 ألف ريال وإن هذا المجتمع طبيعي، فإن أي عينة ندرسها من هذا المجتمع ونقوم بحساب دخولهم ستكون حول 11 ألفا تزيد أو تنقص قليلا، ولذلك نرسم هذا المجتمع وفقا للشكل القريب من الجرس أو حرف "يو" الإنجليزي المقلوب ، وهذا يعني أن أي أسرة من هذا المجتمع نريد أن ندرس دخلها فإننا متأكدون مسبقا وبثقة قدرها 99 في المائة أنه قريب من 11 ألف ريال بانحرافات بسيطة، وفقا لهذا الشرح فإنه عندما نقول إن متوسط الدخل 11 ألفا بينما متوسط الإنفاق يشير إلى دخل 27 ألفا فإننا أمام مجتمعين مختلفين تماما، أي أن من دخله 11 ألف ريال ليس هو من ينفق 27 ألف ريال، إلا إذا ــ وإذا فقط ــ كان توزيعا الدخل والإنفاق غير طبيعيين.
ومعنى غير طبيعي أن الشكل ليس على مثل الجرس المقلوب، بل قد يكون على شكل الحوت منتفخا في جانبه الأعلى والكثير متشتت حتى الذيل، أي أن هناك قليلين في المجتمع لديهم دخول ضخمة جدا، والبعض لديهم دخول مرتفعة جدا والكثير لديهم 11 ألفا فقط والبعض لديهم أقل بكثير من 11 ألفا وهذا ينخفض حتى الأقل القليل في آخر ذيل الحوت. هذا المجتمع غير متجانس تماما ولهذا فإن القول إن إنفاق المجتمع بلغ 100 مليار في شهر فيه كثير من التعميم المضلل لأصحاب القرار. وهذا يجعل من الضروري أن يتم بحث الدخل والإنفاق بطريقة أكثر عمقا وعدم أخذ هذه المناهج كما هي تستخدم في عالم الغرب الموازي، فهناك المجتمعات متجانسة الدخل تقريبا، وأيضا هناك الشريحة المتوسطة هي الأغلب، لكن في مجتمعات غير متجانسة الدخل فإن جهدا أكبر يعد ضروريا من أجل فهم شرائح الدخل في المجتمع وكيف تنفق كل شريحة، ومن أين تحصل على الفروق، إن هذا التحليل يجعلنا أكثر قدرة على فهم سلوك المجتمع بشكل عام، ويجعلنا أكثر قدرة على تخصيص الدعم.
من المؤكد أن الدخل يختلف بين موظفي القطاعين الخاص والحكومي وهذه ليست معلومة جديدة ذلك أن متوسط الرواتب في الطرفين مختلف، ولكن الأكثر أهمية هو إدراك أن الفروق في الرواتب والأجور تتفاوت بشكل كبير داخل كل طرف، فالتفاوت بين الأجور في القطاع الحكومي بدا واضحا من خلال الفروق بين الهيئات، بل وصل حتى الوزارات، والقطاع الخاص ليس أحسن حالا؛ فالفروق في الرواتب غير مفسرة، خاصة بين المستويات التنفيذية، فهناك من يأخذ مئات الآلاف وهناك من يأخذ أقل من ثلاثة آلاف، وحجم كل شريحة غير معروف ولا توجد، حسب اطلاعي، دراسة وافية عن كل هذا. ولذا أقول إن الأرقام الإحصائية خادعة ويجب عدم الاعتماد عليها وحيدة في اتخاذ قرارات اقتصادية مهمة وكبرى.

إنشرها