الاقتصاد العالمي بين 2008 و2020

|
كاتب ومستشار اقتصادي


منذ عدة أشهر ووسائل الإعلام تمطرنا بأخبار وتحليلات وتحذيرات ولقاءات كلها تشير إلى أن الاقتصاد العالمي مقبل على أزمة ركود كبيرة في بداية 2020، سببها بلا شك الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضد الصين من العام الماضي لتعود الأخيرة وتعامله بالمثل وبصلابة لم يتوقعها كثيرون.
بالتأكيد، تسارعت الأحداث السيئة متمثلة في ارتفاع مستمر لأسعار الذهب؛ وهبوط كبير للأسهم والسندات التي انقلب وضعها رأسا على عقب وتجاوزت هذه الأيام عوائد السندات قصيرة الأجل مثيلتها طويلة الأجل، ما يدل على أن الأسواق تعيش فعليا مرحلة ذعر وقلق حقيقيين.
بعض الاقتصاديين يتوقع أن تفوق أزمة 2020 التي بدأت بوادرها تظهر في الأفق أزمة 2008، وهي الأزمة المالية التي انطلقت من أمريكا رسميا مع انهيار "ليمان براذرز" في سبتمبر 2008 لتطوف على جناح السرعة كل جزء في العالم وتؤثر فيه بشكل أو آخر.
اقتصاديا، حتى مع تشاؤم بعض التوقعات حول الوضع المقبل للاقتصاد إلا أن هناك فارقا بين ما حصل في 2008 وما يتوقع حصوله في 2020، ففي 2008 وقع الاقتصاد الأمريكي في أزمة مالية بسبب الرهون العقارية، ثم تحولت إلى أزمة اقتصادية حينما انتقلت لتسريح العمالة وزيادة العاطلين وانخفضت مستويات النمو وكل المؤشرات الاقتصادية الأخرى. أما المتوقع في 2020، فلا يعدو عن كونه ركودا كبيرا قد يضرب الاقتصاد العالمي، ولم تصل التوقعات إلى حدوث أزمات مالية ولا اقتصادية "باستثناء مقابلات ومقالات طلال أبوغزالة".
من الفوارق أيضا أن أزمة 2008 ضربت فجأة ولم يكن يتوقعها أحد، ولذا حينما سألت ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية الاقتصاديين حين زارت بنك إنجلترا بعد انفجار الأزمة مباشرة "لماذا لم يلاحظ أحد منكم الأزمة قبل وقوعها"، لم يرد منهم أحد، ولكن ركود 2020 الكل يراه والكل يحذر منه وهذا يعطي الحكومات والبنوك المركزية القدرة على التدخل بسياسات استباقية تخفف حدة الركود وتقصرها في الحدود الدنيا، وتسهل علاجها في وقت أسرع.
من الاختلافات بين الوضعين أيضا أن أزمة 2008 بدأت في أمريكا وانتقلت إلى أوروبا ولكن ليس إلى الصين، بل إن الصين كانت في قمة عنفوانها ولعبت دور المحرك للاقتصاد العالمي بعد أزمته مباشرة بشراهتها في الاستيراد والإنتاج، في حين أن ركود 2020 يتوقع أن يبدأ تأثيره في أمريكا والصين معا وبالتزامن نتيجة الحرب التجارية بينهما، وهذا يجعله أكبر تأثيرا في الاقتصاد العالمي لأن قطبي الاقتصاد كليهما سيكون تحت مقصلة الركود.
هذه النقطة تهمنا كثيرا في المملكة والدول النفطية كافة، فالمملكة لم تتأثر بأزمة 2008 وحققت خلال ذلك العام فائضا تاريخيا في موازنتها، ورغم التأثر الطفيف في 2009 إلا أن أسعار النفط ظلت مرتفعة ومتماسكة فوق 80 دولارا للبرميل حتى نهاية 2014 تقريبا، وكل ذلك بفضل كبر وتزايد حجم الطلب الصيني على النفط، مضافا إليها الهند وكوريا.
طبعا أمريكا وأوروبا خرجتا من أزمة 2008 بتقديم الضمان Bailout للشركات الكبيرة التي أعلنت إفلاسها، وضمنت دول أوروبا الكبيرة وخصوصا ألمانيا وفرنسا الدول المتضررة وعلى رأسها اليونان، وكانت سياسة التيسير الكمي هي الوسيلة الأفضل وسادت بعد الأزمة لأربعة أعوام تقريبا في أمريكا وأوروبا، وتم دعم صندوق النقد وإحياء قمة العشرين وإصدار التشريعات ضد الحمائية وبلدان الملاجئ الضريبية، وهو ما ساعد على تجاوز الأزمة في زمن رغم ضخامة تأثيرها.
ولكن بالتأكيد إن لم تتدخل الحكومات والبنوك المركزية بسياسات استباقية، ويتم التوصل إلى اتفاق بين أمريكا والصين لوقف الحرب التجارية، فقد يتحول ركود 2020 إلى أزمة مالية على غرار ما حصل في 2008، وسيصعب الخروج منها لأن السياسات والتشريعات التي استخدمت لعلاج أزمة 2008 لن تكون ذات جدوى في أزمة 2020 فيما لو حدثت فعلا، وهو ما لا نتمناه ولا ننتظر حدوثه.

إنشرها