أهمية إثيوبيا اقتصاديا «1»

|


من فترة إلى أخرى عودت قراء هذا العمود على مراجعة اقتصادات الدول المهمة في المنطقة -إثيوبيا ليست بعيدة جغرافيا- بل هي في دائرة اهتمام الـ"رؤية" بالجغرافيا الاقتصادية والسياسية. يبلغ سكان إثيوبيا أكثر من 100 مليون، كما أن لدينا معها بعض التقاسمات التاريخية، إضافة إلى أهميتها الزراعية خاصة أن هناك احتمال تكامل بين الصناعة والخدمات في المملكة والزراعة في إثيوبيا. عانت إثيوبيا أمنيا واقتصاديا وسياسيا منذ سقوط الإمبراطورية في 1974 مرورا بالحقبة الشيوعية إلى أن تولى ملس زيناوي السلطة لمدة 21 سنة حتى وفاته 2018، آخر فقرات القلاقل اغتيال قائد الجيش قبل عدة أسابيع. رغم الصعوبات إلا أن زيناوي استطاع تأسيس نموذج إثيوبي لإدارة الاقتصاد محاولا تقليد دول شرق آسيا في إدارة التنمية الاقتصادية بسيطرة الحكومة على مفاصل القرار الاقتصادي وملكية القطاع العام للشركات الرئيسة وتشجيع القطاع الخاص خاصة في قطاعي الزراعة والخدمات.
في ظل الاستقرار تحت سلطة زيناوي استطاعت إثيوبيا تحقيق نسبة نمو حقيقي عالية مقارنة بدول إفريقيا والشرق الأوسط على الأقل تلك التي بحجمها السكاني والجغرافي. رفض سياسات "إجماع واشنطن" بتحرير مؤثر للاقتصاد بدعوى أنها غير مناسبة لبلاده، وحاول بجدية الحد من الفساد واستغلال الحكومة، ولذلك نجح في تحقيق نمو حقيقي عال، فمنذ نحو 35 عاما مضت حقق نسبة 5.6 في المائة، وفي الأعوام العشرة الماضية حتى 2107 نسبة تصل إلى 10.6 في المائة، إلا أن النمو سجل انخفاضا ليصل إلى 7.7 في المائة في آخر عامين. ما زال الاقتصاد الإثيوبي زراعيا فإثيوبيا من أقل الدول قياسا على حجمها السكاني تمدنا، فسكان أديس أبابا نحو 5.5 مليون -أقل بكثير من القاهرة ولاجوس في نيجيريا. لعل أهمية الزراعة والحياة في المدن الصغيرة والريف جعلتها من أكثر الاقتصادات مساواة في توزيع الثروة والدخل وقلة الصناعة والتقنية التي اعتياديا تجد نماذج راسية إداريا ومعرفيا وبالتالي تضعف المساواة في المداخيل. لكنها مع هذا النمو والعدالة المجتمعية لا تزال فقيرة فنحو 53 في المائة من السكان تحت خط الفقر، حيث الدخل أقل من دولارين في اليوم الواحد للفرد.
إحدى خصائص الاقتصاد الإثيوبي الفقر في الطاقة فحتى بعد التقدم الكبير في توفير الكهرباء إلا أنه ما زال 40 في المائة من المدن الصغيرة والأرياف غير مربوطة بشبكة الكهرباء الرئيسة ولذلك هناك عجز مقارنة ببعض دول إفريقيا والشرق الأوسط. نحو 97 في المائة من الكهرباء من الطاقة الهيدروليكية ولذلك إثيوبيا من أنظف دول العالم في مصادر الطاقة، لعل هذا المسعى يأخذ زخما جديدا بعد اكتمال مشروع السد الضخم (الموعد الجديد 2022) الذي تأجل إكماله بسبب قضايا مالية وإدارية، كذلك لهذا الموضوع أهمية قصوى بتأثيره في مصر خاصة والسودان بدرجة أقل. حققت إثيوبيا نجاحات مؤثرة خاصة إذ كانت المقارنة بالحروب الأهلية والمجاعات السابقة لكن ما زال المشوار طويلا، بدأ الرئيس الجديد آبي أحمد بتغيير السياسة الاقتصادية منذ أن تولى السلطة في 2018، وسيكون هذا موضوع العمود المقبل وكذلك آفاق التعاون بين المملكة وإثيوبيا.

إنشرها