الركود العالمي على الأبواب

|


"المحزن أن الإدارات السابقة سمحت للصين بأن تتملص من تجارة عادلة ومتوازنة"
دونالد ترمب، رئيس الولايات المتحدة

صارت عناوين مثل "شبح الركود العالمي" سائدة على الساحة. وهي انعكاس مباشر لمخاوف مؤسسات دولية مختلفة، من أن الاقتصاد العالمي يسير بالفعل نحو الركود، وإن لم يدخل فيه بعد. الكل يحذر، لكن لا توجد مؤشرات عملية على أن أحدا يتحرك من أجل منع الوصول إلى هذه المرحلة الخطيرة. فالاقتصاد العالمي خرج قبل أشهر قليلة "رسميا" من تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008، والمشكلات بين الدول الكبرى تتصاعد بعضها أخذ منذ عامين وأكثر شكل حرب تجارية، وبعضها الآخر يتصف بـ"المعارك التجارية". ناهيك عن المشكلات المحلية في هذه البلدان، وفي مقدمتها ارتفاع ديونها السيادية إلى مستويات خرافية حقا، وتباطؤ اقتصاداتها لأسباب عديدة أخرى، عدم اليقين المطلوب على ساحاتها.
في هذه الأثناء تتصاعد الحرب التجارية الأخطر بين الولايات المتحدة والصين، حتى إن الحديث عن وجود مفاوضات تجارية بين البلدين بات يثير السخرية في الأوساط الاقتصادية. فلا يمكن أن تكون هناك مفاوضات جارية بين طرفين، والإجراءات الانتقامية المتبادلة بينهما لا تتوقف فحسب، بل تأخذ أشكالا خطيرة للغاية، مثل فرض رسوم جمركية إضافية على واردات الطرفين، والتمسك بمواقف متصلبة لا تبشر بأي انفراج قريب بينهما. وهذه "السلوكيات" بدأت تزحف إلى معسكر "الحلفاء". فالمعركة التجارية المثارة حاليا بقوة هي تلك المندلعة بين الولايات المتحدة وفرنسا. فالرئيس الأمريكي يعتقد أنه ليس من حق باريس فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الأمريكية، وبالتالي قرر أن يفرض ضرائب من جانبه على بعض الواردات من فرنسا.
المشهد يشبه إلى حد ما ما يجري بين الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وغيرها من الدول الكبرى. صحيح أن طوكيو قررت أن تتفاهم، لكن الأمر ليس كذلك على الساحة الأوروبية. وهكذا، فإن السائد حاليا ليس أقل من إجراءات تجارية انتقامية بين دول تملك بالفعل زمام المبادرة العالمية. في ظل هذه الأجواء ترتفع الأصوات التي تتحدث عن ركود عالمي، بما في ذلك إمكانية حدوثه على الساحة الأمريكية نفسها. فالنمو الأمريكي يتراجع ومعه النمو في الصين أيضا. وفي حين خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بـ0.1 في المائة إلى 3.2 في المائة، هناك جهات دولية أخرى خفضت التوقعات أكثر من ذلك. والمؤشرات متعددة حول إمكانية هذا الانخفاض، في مقدمتها بالطبع التباطؤ الذي تشهده كل الاقتصادات في البلدان المتقدمة دون استثناء.
لا يبدو أن تحركات البنوك المركزية في هذه الدول لتحفيز اقتصادات بلدانها تحقق غاياتها. فكل هذه المصارف خفض الفائدة من أجل رفع مستوى الاقتراض، وتعمل بكل ما لديها من أدوات من أجل رفع وتيرة النمو. حتى إن تحقق شيء إيجابي على هذا الصعيد، فإن هناك من يتحدث عن مخاوف كبيرة من جراء الإقراض غير المنضبط. وهو بالضبط ما حدث قبل انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية. أي لابد من وجود ضوابط، تترك مجالا لأدوات التحفيز، وفي الوقت نفسه تحمي الاقتصادات من فقاعة جديدة من الصعب السيطرة عليها في فترة قصيرة. ففي الولايات المتحدة، مثلا، انخفضت العائدات على سندات السنوات العشر دون مستوى العائد على سندات السنتين للمرة الأولى منذ 15 عاما، وهذه إشارة خطيرة أخرى إلى المشكلات التي تضرب اقتصادات مشابهة للاقتصاد الأمريكي.
وبالنظر إلى "الخريطة" الاقتصادية العالمية ككل، فإن شبح الركود الذي يتم الحديث عنه يأخذ مكانه شيئا فشيئا على الساحة. والمرعب في الأمر أيضا، أن الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم وإلى جانبها المعارك التجارية هنا وهناك، بما في ذلك تلك القائمة بين اليابان وكوريا الجنوبية تعد من وجهة نظر المراقبين الاقتصاديين بمنزلة أداة دافعة لهذا الركود، إلى جانب المواقف المتحجرة لأطرافها. فحتى في قمة "مجموعة السبع" التي انعقدت في فرنسا قبل يومين، لم توفر أي إشارة إيجابية ذات قيمة لإمكانية حدوث تفاهمات بين الدول المتصارعة تجاريا. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي تحدث قبل هذه القمة أنه لن يكون هناك بيان ختامي لها. والمعنى هنا واضح.
في المحصلة، يبدو أن شبح الركود سيبقى حاضرا في الفترة المقبلة، في حين أن تراجع النمو في البلدان الكبرى بات خبرا دائما. وبصرف النظر عن كل المعطيات الراهنة، لا يمكن إبعاد هذا "الشبح" إلا بالتفاهم والابتعاد عن الإجراءات الانتقامية بين هذا الطرف وذاك. والعالم لا يتحمل "حقا" ركودا جديدا، بعد أن خرج للتو من الأزمة الكبرى. المسؤولية الآن تقع على عاتق البلدان الكبرى، فإما أن تجنح للتفاهم، وإما أن تبقى المعارك التجارية في مسارها التصاعدي. وتكفي هنا الإشارة إلى أن هذه المعارك تجري حتى بين "الحلفاء" أنفسهم! وهو أمر نادر في التاريخ العالمي الحديث.

إنشرها