الطاقة- النفط

«أوبك» وروسيا أكبر المستفيدين من تباطؤ الطلب الصيني على الخام الأمريكي

توقع محللون نفطيون أمس ازدياد الطلب على نفط "أوبك" والخام الروسي كبديل عن النفط الأمريكي الذي يرجح أن تصل صادراته إلى مستوى الصفر في السوق الصينية، مع تصاعد الحرب التجارية، لافتين إلى أن السعودية عززت بالفعل وجودها في الصين من خلال زيادة الصادرات وتعويض النقص الناجم عن هبوط الإنتاج والتصدير الإيراني، الذى كان يعتمد على السوق الصينية بشكل أساس، وتراجع بعد فرض العقوبات الأمريكية المشددة.
يتوقع المحللون استمرار تقلبات أسعار النفط الخام خلال الأسبوع الجاري بعد خسائر مني بها في ختام الأسبوع الماضي، جراء تصاعد وتيرة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين بعد فرض رسوم جمركية جديدة طالت لأول مرة النفط الخام، ومن المتوقع أن تحد من الصادرات الأمريكية إلى السوق الصينية.
ورجح المحللون تراجع صادرات الخام الأمريكية إلى الصين، وهو محور الطلب العالمي على النفط، بعد تصاعد وتيرة الحرب التجارية، وهو ما سيؤدي إلى تغيرات جذرية في خريطة التجارة الدولية للطاقة، خاصة إذا استمرت وتيرة النزاعات التجارية في التصاعد.
وأضاف المحللون أنه – بحسب تقارير دولية - فإن الولايات المتحدة ليست من بين أكبر موردي الخام للصين، لكن حدوث ما سمي بثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة جعل منها أكبر منتجي العالم بعدما تجاوز الإنتاج الأمريكي 12 مليون برميل يوميا، واستفاد بشكل كبير من تخفيضات الإنتاج التي أقدمت عليها "أوبك" بالتنسيق والتعاون مع روسيا وبقية المنتجين المستقلين، كما استفاد الإنتاج الأمريكي من العقوبات التى هبطت بإمدادات إيران وفنزويلا، ومن تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
في هذا الإطار، يقول لـ"الاقتصادية"، روس كيندي العضو المنتدب لشركة كيو إتش آي لخدمات الطاقة، "إن التقلبات السعرية على الأرجح ستسيطر على سوق النفط مع الميل إلى تسجيل انخفاضات سعرية تحت تأثير مخاوف الركود الناجمة عن الحرب التجارية خاصة مع فرض رسوم جمركية على صادرات الخام الأمريكي إلى الصين، وهو ما يعكس تصاعد المواجهات التجارية بين أكبر اقتصادات العالم".
وأضاف كيندي أن "الصين كانت تاسع أكبر مشتر للخام الأمريكي خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، وهي على الأرجح ستفقد هذا الموقع المتقدم في ضوء هذا التطور الواسع في نزاعات التجارة"، مشيرا إلى أن تحالف "أوبك" وخارجها قد يكون المستفيد من هذا التطور بتعزيز صادراته إلى السوق الصينية وتعويض الحصص السوقية التي كان فقدها بسبب خفض الإنتاج، ونتيجة المنافسة الشرسة مع الإنتاج الأمريكي الذي قفز بوتيرة شديدة السرعة أخيرا.
من جانبها، أوضحت لـ"الاقتصادية"، الدكتورة ناجندا كومندانتوفا كبيرة المحللين في المعهد الدولي لتطبيقات الطاقة، أن الصين بقرارها الجديد عدلت عن سياسة سابقة كانت أكثر حرصا على إبعاد النفط عن خطر النزاعات التجارية، وهو ما يمكن أن يترجم إلى اشتداد حدة النزاع ورغبة كل طرف في ممارسة كل الضغوط واستغلال كل الأوراق لزيادة الأعباء على الاقتصاد المنافس.
وأشارت كومندانتوفا إلى أن هناك مخاطر وتداعيات تلوح في الأفق وتنال من الاقتصاد العالمي بشكل عام وتهدد بموجات ركود مؤثرة بعد اللجوء إلى استخدام الرسوم على سلعة استراتيجية مثل النفط كسلاح موجع في هذا الصراع التجاري الذي من المرجح أن يمتد لفترة طويلة، منوهة باحتمال تراجع الأسعار تحت وطأة الوضع غير المطمئن للاقتصاد العالمي.
من ناحيته، يقول لـ"الاقتصادية"، ردولف هوبر الباحث في شؤون الطاقة ومدير أحد المواقع المتخصصة، "إن القرار الصيني الجديد سيرفع تكلفة برميل النفط الأمريكي 5 في المائة أو نحو ثلاثة دولارات، وهو ما يضرب تنافسية النفط الأمريكي بشكل قوي ويحد من قدرته على تعزيز وجوده في السوق الصينية"، مشيرا إلى أنه من المتوقع أن تتحول الصين إلى دول أوبك وهي بالفعل زادت من اعتمادها على النفط السعودي منذ تهاوي النفط الإيراني تحت ضغط العقوبات الاقتصادية. 
يرى هوبر أن التطور الجديد في الحرب التجارية خطوة نحو مزيد من التصعيد، ويعد استمرارا لحالة عدم الاستقرار فى سوق النفط علاوة على أنه يمثل ضربة مباشرة لصادرات الولايات المتحدة من الخام، لافتا إلى أن تجارة النفط بين الولايات المتحدة والصين قد يهيمن عليها التوتر الدائم، مضيفا أن "الصين تعتمد منذ فترة استراتيجية تنويع موردي النفط علاوة على استراتيجية أخرى تستهدف استبدال الوقود الأحفوري بموارد الطاقة المتجددة".
بدوره، أوضح لـ"الاقتصادية"، ماثيو جونسون المحلل في شركة "أوكسيرا" الدولية للاستشارات، أن تصعيد الصين الحرب التجارية بإدراج النفط في قائمة الرسوم والتعريفات المتبادلة في التجارة مع الولايات المتحدة يجيء في توقيت دقيق، حيث يعقد قادة مجموعة الدول السبع اجتماعهم في فرنسا، إضافة إلى اجتماع محافظي البنوك المركزية في جاكسون هول في ولاية وايومنج الأمريكية، لبحث مخاوف تباطؤ الاقتصاد العالمي".
وذكر جونسون أن الاتجاه الأغلب للأسعار في ضوء المعطيات الراهنة هو الانخفاض مع احتمال حدوث بعض التقلبات الناجمة عن مؤشرات جديدة داعمة للأسعار مثل خفض الإنتاج وتراجع المخزونات، مشيرا إلى انخفاض العقود الآجلة للخام التي يتم تداولها في نيويورك بأكثر من 7 في المائة هذا الشهر بفعل النزاعات التجارية وزيادة مخزونات الوقود في الولايات المتحدة، ما عمق حالة القلق والمخاوف بشأن وفرة محتملة في المعروض النفطي قد تتبلور على نحو أوضح في العام المقبل.
وكانت أسعار النفط تراجعت في ختام الأسبوع الماضي بعد أن أعلنت الصين عن رسوم جمركية انتقامية على بضائع أمريكية بقيمة 75 مليار دولار، من بينها النفط الخام، في تصعيد آخر للنزاع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.
بحسب "رويترز"، أنهت عقود خام القياس العالمي مزيج برنت جلسة التداول منخفضة 58 سنتا، أو1 في المائة، لتبلغ عند التسوية 59.34 دولار للبرميل.
وهبطت عقود خام القياس الأمريكي غرب تكساس الوسيط 1.18 دولار، أو 2.1 في المائة، لتسجل عند التسوية 54.17 دولار للبرميل، وأنهي الخام الأمريكي الأسبوع منخفضا 1.3 في المائة بينما صعد برنت 1.2 في المائة على مدار الأسبوع.
وستفرض الصين رسوما جمركية إضافية من 5 في المائة إلى 10 في المائة على 5078 من منتجات، منشؤها الولايات المتحدة، بما في ذلك النفط الخام، ومنتجات زراعية مثل فول الصويا، والطائرات الصغيرة.
أثارت الخطوة الصينية غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي أمر الشركات الأمريكية بأن تدرس إغلاق عملياتها في الصين وتصنيع منتجاتها في الولايات المتحدة.
وركز المستثمرون أيضا على كلمة جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي في جاكسون هول، التي قدم فيها قرائن قليلة بشأن إذا ما كان البنك المركزي الأمريكي سيخفض أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل.
وقال جيمس بولارد رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي في سانت لويس "إن صانعي السياسة النقدية سيجرون مناقشة‭ ‬واقعية بشأن خفض لأسعار الفائدة الأمريكية بمقدار نصف نقطة مئوية في اجتماعهم المقبل في أيلول (سبتمبر)".‬
وتفاقمت المخاوف بشأن احتمال حدوث ركود، إذ سجل قطاع الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة أول انكماش شهري في نحو عشرة أعوام.
لكن أسعار النفط تظل تتلقى الدعم من تخفيضات إنتاج النفط التي ينفذها أعضاء "أوبك" وروسيا، وكذلك تراجع صادرات إيران وفنزويلا بسبب العقوبات الأمريكية.
ويعتقد هاري تشيلينجوريان من "بي.إن.بي باريبا" أن السوق تلقت بعض البيانات السلبية، مع زيادة إنتاج روسيا من الخام فوق حصتها بموجب اتفاق "أوبك+" وساعدت شركة النفط الروسية الحكومية روسنفت على شحن نفط فنزويلا إلى الصين والهند.
وسجل عدد حفارات النفط العاملة في الولايات المتحدة أكبر هبوط أسبوعي في نحو أربعة أشهر وتراجع إلى أدنى مستوى منذ كانون الثاني (يناير) 2018 مع قيام منتجين بخفض الإنفاق على عمليات الحفر.
وأفادت شركة بيكر هيوز لخدمات الطاقة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة وثيقة، بأن شركات الحفر أوقفت تشغيل 16 حفارا نفطيا في الأسبوع المنتهي في الـ23 من آب (أغسطس)، وهو أكبر خفض منذ الأسبوع المنتهي في الـ26 من نيسان (أبريل) وسابع انخفاض أسبوعي في الأسابيع الثمانية الماضية.
وتراجع إجمالي عدد حفارات النفط النشطة في الولايات المتحدة إلى 754 من 860 حفارا في الأسبوع نفسه قبل عام.
وانخفض عدد حفارات النفط النشطة، وهو مؤشر أولي للإنتاج مستقبلا، على مدار الأشهر الثمانية الماضية مع قيام شركات مستقلة للاستكشاف والإنتاج بخفض الإنفاق على عمليات الحفر الجديدة، مع تركيزها بشكل أكبر على نمو الأرباح بدلا من زيادة الإنتاج.
من ناحية أخرى هبط عدد حفارات الغاز الطبيعي في أمريكا بمقدار ثلاثة حفارات إلى 62 حفارا، وهو أدنى مستوى منذ نيسان (أبريل) 2017.
وخلال الأسبوع المنصرم، كشفت منظمة أوبك عن تراجع حصتها السوقية في سوق النفط العالمية إلى مستوى 30 في المائة في الشهر الماضي، وسط استمرار جهودها لخفض الإنتاج، مقابل مستوى 34 في المائة منذ عقد من الزمان، ومقارنة بالقمة المسجلة في 2012 عند مستوى 35 في المائة.
 

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الطاقة- النفط