العملات المشفرة والنظام النقدي العالمي

|


تظل التطورات التي يشهدها العالم جزءا من النمو الطبيعي لمخرجات المعرفة البشرية على المستويين الطبي والتقني وحتى العلوم الإنسانية الأخرى، إلا أن التطور التقني يعد سمة هذا العصر على جميع المستويات وبشكل خاص في مجال تطبيقات الثورة الاصطناعية الرابعة التي أفرزت لنا العملات المشفرة والرقمية عبر تقنية الكتلة أو البلوك تشين أو ما يعرف بالتخزين غير المركزي.
التطور النقدي للعملات مر بعدد من المراحل منذ زمن المقايضات حتى زمن النقد الورقي أو الـ" بنك نوت" ومرورا بالعملات الافتراضية أخيرا لذا شهد العالم طفرة في صناعة العملات المشفرة كنوع من النقد غير قابل للتداول بالطرق التقليدية وغير خاضع لمعايير المصارف المركزية حول العالم، ويعد عدم انسجام هذه العملات الجديدة مع النظام النقدي العالمي وقواعده الحالية بسبب جوهري وهو عدم الترحيب بها على مستوى الحكومات.
يكمن خطر هذا النوع من النقود أنه لا يمكن التحكم بها من قبل الحكومات المسؤولة عن السيطرة على الأسعار والتضخم والفائدة التي هي أدوات إدارة الاقتصاد على المستويين الكلي والجزئي، كما أن عمليه تداول تلك العملات بعيدا عن عين الرقيب يسمح لتجار المخدرات والسلاح والدعارة وغيرها من الأعمال غير المشروعة بالتسلل إلى النظام المالي العالمي دون رقيب؛ وهذا يعد أمرا في غاية الخطورة على استقرار النظام المالي واستقرار أمن الدول.
وعندما ننتقل إلى مستويات أعلى من الخطورة فإن العملات الافتراضية أو المشفرة لا يوجد لديها قدرة على الثبات سعريا؛ نتيجة عدم ارتباطها بأي سياسات حكومية كما في سياسات المصارف المركزية في مسائل التحكم بعرض النقود في الاقتصاد وأسعار الفائدة وغيرها من أدوات الإدارة النقدية أو المالية؛ لذا لا يمكن الاعتماد عليها في التجارة على المستويين المحلي أو الدولي، كما أن عدم ثباتها يؤدي إلى اضطراب القيمة التي هي أساس الأعمال التجارية كما أن عدم استقرارها يؤدي إلى فقدان الديون قيمتها العادلة كما لا يمكن تسوية الديون بها للسبب نفسه.
السؤال الذي يحتاج إلى إجابة؛ من المسؤول عن تدشين العملة الافتراضية أو الرقمية أو المشفرة في النظام النقدي العالمي؟، الإجابة العملية هي دول مجموعة الثمانية ودول مجموعة العشرين أو ما يعرف بشكل غير رسمي "مجلس إدارة العالم" عبر وضع سياسات وتنظيمات عالمية جديدة لاستيعاب هذا التطور التاريخي في النقود في إطار يضمن أن تؤدي تلك النقود الجديدة وظائفها التقليدية دون أن تؤدي إلى اختلال في التجارة والديون.
أخيرا، العملات الرقمية لا تزال في بدايتها وعلينا التعامل معها على أساس استراتيجي من خلال الاستعداد التقني والمعرفي ولا سيما أن كبريات الشركات العالمية مثل "فيسبوك" تحاول إنتاج عملة مستقرة، على أي حال ستكون العملات الرقمية أو المشفرة واقعا يفرض نفسه على الدول والحكومات والمصارف المركزية.

إنشرها