الوحدة الاستراتيجية .. وقصة اليابان مع الجودة

|

يمكن النظر إلى اليابان "كوحدة استراتيجية كبرى" استطاعت أن تتميز وترفع عن كاهلها آثار أكبر مآسي القرن الـ20 التي تمثلت في قنبلتين ذريتين أطلقتهما القوات الأمريكية مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، على مدينتي هيروشيما Hiroshima ونجازاكي Nagasaki. كانت حالة اليابان في ذلك الوقت مختلفة تماما عن حالة أمريكا، أمريكا منتصرة مزهوة بقوتها وانتصارها، واليابان مهزومة مصابة، تعاني آلاما موجعة. كان الاقتصاد الأمريكي قويا حيث بلغ حجم السوق الأمريكية نحو 80 في المائة من مجمل حجم أسواق العالم. وكان كل ما ينتج في أمريكا يباع، ولا حاجة إلى أخذ المنافسة في الحسبان، أو حتى إلى تطوير المنتجات نحو الأفضل. أما الاقتصاد الياباني فكان متهالكا، كانت سوقه الداخلية محدودة، وكانت قدرته على التنافس في الأسواق الخارجية بما في ذلك السوق الأمريكية ضعيفة للغاية.
أين الحل؟ ماذا على اليابان أن تفعل كي تبني اقتصادا جديدا يحميها من الانهيار، ويمكنها من التنافس مع الآخرين، حتى مع أولئك الذين تعرضت أمامهم إلى هزيمة عسكرية؟
وجدت أن الحل هو أن تمضي قدما إلى الأمام، تنتج ما يحتاج إليه الناس وما تتطلبه المجتمعات، على أن تتمتع منتجاتها "بالتميز والجودة" كي تستطيع الانتشار في أسواق العالم، وتفوز في المنافسة مع المنتجات الأمريكية حتى في السوق الأمريكية ذاتها. وهكذا شجعت اليابان "وحداتها الاستراتيجية على مستوى المؤسسات" ومن ثم "الوحدات الاستراتيجية على مستوى الأفراد" على العمل في هذا الاتجاه في مختلف المجالات المتاحة.
أمام هذا الطموح وجدت اليابان أن عليها أن تتلقى دروسا في "الجودة" كي تفعل قدرتها على المنافسة، وعليها، في سبيل ذلك أن تبحث عن خبراء في هذا المجال. أين هؤلاء الخبراء؟ "إنهم في أمريكا"، لكن الحاجة إليهم في بلادهم محدودة بسبب ازدهار السوق وغياب المنافسة. وجدت اليابان في ذلك فرصة وسعت إلى استقطاب خبراء الجودة والتطوير الأمريكيين لتنهض بمنتجاتها، وتنافس بها الآخرين.
كان وليم إدواردز ديمنج William Edwards Deming أول الخبراء الأمريكيين الذين لجأت إليهم الوحدات الاستراتيجية اليابانية المختصة في مجالات مختلفة، لبناء الجودة في منتجاتها. وإذا كان والتر شوارت Walter Shewhart، الذي ذكرناه وطرحنا أفكاره في المقال السابق، قد لقب بأبي الإدارة العلمية، فقد لقب ديمنج بأبي إدارة الجودة، وكان تركيزه الرئيس على "منهجية إجراءات العمل". وله قول مأثور في هذا المجال وهو: "إذا لم تكن قادرا على وصف ما تقوم به من عمل كإجراء، فأنت لا تدري ماذا تفعل"، والمعنى أن العمل الذي يقوم به الإنسان يجب أن يتمثل في إجراء واضح الخطوات كي يحقق غايته.
في إطار اهتمام "ديمنج" بإجراءات العمل تبنى "الخطوات الأربع لطريقة التطوير الدوري المستمر: التخطيط، والتنفيذ الأولي، والاختبار، واتخاذ القرار PDCA" التي وضعها شوارت وأعطى تعريفا للجودة يقول: "إنها درجة متوقعة من الخصائص الموحدة الموثوقة التي تناسب السوق، ويمكن تأمينها بسعر منخفض". ولعل أهم ما طرحه بشأن تحقيق "الجودة" التوصيات الـ14 التي قدمها "للوحدات الاستراتيجية على مستوى المؤسسات".
تتضمن التوصية الأولى تحديد "غاية واضحة وثابتة" للتطوير، تتطلع إلى تقديم منتجات وخدمات محسنة. وتشمل الثانية الحاجة إلى "فلسفة جديدة" في العمل تحتوي على معايير جديدة تؤدي إلى الارتقاء بالجودة، مثل الحد من مستوى التأخير الزمني المسموح، ومستوى الأخطاء وغير ذلك. وتدعو الثالثة إلى "التوقف عن اعتماد التفتيش الشامل لخصائص المخرجات" كوسيلة لتعزيز الجودة؛ وتعطي بديلا مقترحا هو التفتيش الإحصائي لعينات محدودة، إضافة إلى الحرص على جودة إجراءات العمل. أما التوصية الرابعة فترى "عدم اعتماد التكاليف كمرجعية وحيدة في تقييم الأعمال وإجراء العقود" مع الأطراف المرتبطة بالوحدة الاستراتيجية؛ وقدمت في هذا المجال اقتراحا للحد من التكاليف يتلخص في محاولة التعامل مع مزود واحد لمتطلبات الوحدة الاستراتيجية، إن توافر ذلك.
ونصل إلى التوصية الخامسة التي تقضي "بالتطوير المستمر"، أي العمل المتواصل على تطوير إجراءات التخطيط والإنتاج والخدمات. أما التوصية السادسة فتهتم "بالتدريب على رأس العمل"، واستخدام طرق حديثة في هذا المجال. وتركز التوصية السابعة على "الإشراف والقيادة"، أي الإشراف على أساليب العمل، واستخلاص التوجيهات التي تعزز الأداء. وتدعو التوصية الثامنة إلى "بناء الثقة" لدى العاملين في الوحدة الاستراتيجية، وإزالة أي خوف أو خشية من التعامل مع الإدارة العليا، لأن في الثقة تفعيلا للعمل وتعزيزا للأداء. وتتجه التوصية التاسعة نحو "إزالة الحواجز بين العاملين" ضمن المساحات التي يعملون فيها من أجل تنشيط التعاون فيما بينهم.
وتأتي التوصية العاشرة لتقول "لا للشعارات" مثل شعارات الأهداف الكبرى والطموحات الإنتاجية، ما لم تكن هناك طرق جديدة لتحقيق ذلك. وتقول التوصية الـ11 "لا للحصص الرقمية"، بمعنى عدم تحديد معايير رقمية للإنتاج المطلوب من العاملين حرصا على الحد من ضغط العمل الذي قد يؤذي مستوى الأداء. ثم تقول التوصية الـ12 "لا للتفرقة" بين العاملين، مثل العاملين المثبتين والعاملين المؤقتين، أو أي أمر آخر، من أجل تعزيز انتمائهم وتفعيل تعاونهم. وتهتم التوصية الـ13 "بالتطوير الذاتي"، وإقامة "برامج تعليمية" طموحة للإسهام في التطوير المستمر، وتشجيع العاملين على تطوير إمكاناتهم ذاتيا. وتركز التوصية الـ14 أخيرا على توفير الفرص "لإسهام الجميع" في التطوير والارتقاء بالجودة.
إذا نظرنا إلى توصيات ديمنج أعلاه بشأن تطوير جودة الوحدات الاستراتيجية على مستوى المؤسسات، نجد تركيزا واضحا على تطوير إمكانات العاملين، أي الوحدات الاستراتيجية على مستوى الأفراد، وعلى تشجيعهم على التعاون والانتماء والارتقاء بإمكاناتهم الذاتية. ففي الإنسان يكمن سر "جودة المؤسسة" ومعطياتها، وفي بيئة المؤسسة يكمن سر "إسهام الإنسان" في هذه الجودة. هذا ما أدركته "اليابان" فانطلقت ونجحت وباتت في حجمها الاقتصادي الدولة الثالثة في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. وتجدر الإشارة إلى أن موضوع الجودة شهد ظهور أفكار وتوصيات ومعايير مهمة وضعها آخرون بعد ديمنج، لعلنا نطرحها في مقالات قادمة بمشيئة الله.

إنشرها